كشفت أرمينيا خلال العرض العسكري الذي أُقيم في يريفان بمناسبة عيد الجمهورية عن منظومة الدفاع الجوي الإيرانية قصيرة المدى Majid (AD-08)، في أول ظهور علني مؤكد للمنظومة خارج إيران، في خطوة تعكس تسارع التعاون العسكري بين البلدين وتسلط الضوء على جهود أرمينيا لإعادة بناء قدراتها الدفاعية بعد الحرب الثانية في ناغورنو كاراباخ وما تلاها من توترات حدودية مع أذربيجان.
النسخة التي ظهرت في الخدمة الأرمينية لا تبدو مطابقة بالكامل للنسخة الإيرانية الأصلية التي كُشف عنها عام 2021، إذ ظهرت مزودة برادار صفيفي مثبت على منصة الإطلاق إلى جانب منظومة التتبع الكهروبصرية الأساسية، وهو تطور يمنح المنظومة قدرة أفضل على اكتشاف وتتبع الأهداف في الظروف الجوية المعقدة وضد الأهداف منخفضة البصمة أو سريعة الحركة.
ويُعد ظهور الرادار الجديد من أبرز عناصر الخبر، لأن فلسفة عمل Majid الأصلية اعتمدت بصورة رئيسية على الرصد السلبي باستخدام المستشعرات الكهروبصرية والباحثات الحرارية دون الحاجة إلى تشغيل رادارات توجيه مستمرة، ما يمنح المنظومة بصمة إلكترونية منخفضة ويصعب عملية اكتشافها أو استهدافها بواسطة وسائل الحرب الإلكترونية المعادية. أما إضافة الرادار إلى النسخة الأرمينية فتشير إلى محاولة تحقيق توازن بين مزايا العمل الصامت وقدرات الكشف المبكر وتوسيع مجال الرصد.
وتُصنف Majid ضمن منظومات الدفاع الجوي القصير المدى المصممة للتعامل مع الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة وصواريخ الكروز والمروحيات والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. وتستخدم المنظومة صواريخ AD-08 الموجهة بالأشعة تحت الحمراء، ويصل مدى الاشتباك إلى نحو 8 كيلومترات مع قدرة على التعامل مع أهداف على ارتفاعات تصل إلى نحو 5 أو 6 كيلومترات بحسب النسخة المستخدمة. كما تستطيع المنظومة الاشتباك مع عدة أهداف في وقت متقارب ضمن بيئات التهديد الحديثة.
ويأتي إدخال هذه المنظومة في وقت تشهد فيه أرمينيا عملية إعادة هيكلة واسعة لقواتها المسلحة. فالعرض العسكري نفسه شهد ظهور مجموعة كبيرة من الأنظمة الجديدة التي حصلت عليها يريفان خلال السنوات الأخيرة من مصادر متعددة، شملت منظومة Akash الهندية ومنظومات فرنسية ومدفعية حديثة ومعدات روسية لا تزال تشكل جزءًا مهمًا من بنية الجيش الأرميني. ويشير ذلك إلى أن أرمينيا تتبنى سياسة تنويع غير مسبوقة لمصادر التسليح بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على روسيا.
ومن الناحية العملياتية، تبدو Majid مناسبة للغاية للتهديدات التي تواجهها أرمينيا حاليًا. فقد أظهرت حرب ناغورنو كاراباخ بوضوح التأثير الحاسم للطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة في تغيير موازين المعركة، كما كشفت محدودية بعض أنظمة الدفاع الجوي التقليدية أمام الأهداف الصغيرة منخفضة الارتفاع. ولذلك اتجهت يريفان خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز طبقات الدفاع الجوي القريبة والمتوسطة المدى لمواجهة هذا النوع من التهديدات.
ويمكن النظر إلى Majid باعتبارها حلقة جديدة ضمن شبكة دفاع جوي أرمينية متعددة الطبقات تضم منظومات S-300PS بعيدة المدى، ومنظومات Tor-M2KM قصيرة المدى، ومنظومة Akash الهندية، إضافة إلى الرادارات الغربية الحديثة التي بدأت أرمينيا في إدخالها للخدمة. وفي هذا السياق تؤدي المنظومة الإيرانية دور الدفاع النقطي ضد المسيّرات والذخائر الجوالة والأهداف منخفضة الارتفاع التي قد تنجح في اختراق الطبقات الأعلى من الشبكة الدفاعية.
ويحمل ظهور المنظومة أيضًا دلالات سياسية واستراتيجية مهمة. فهذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها Majid كمعدة تصديرية مؤكدة إلى دولة أجنبية، ما يشير إلى أن إيران بدأت تتحرك بصورة أكثر جرأة نحو تصدير بعض أنظمة الدفاع الجوي التي طورتها محليًا خلال العقدين الماضيين. كما أن اختيار أرمينيا تحديدًا ليس أمرًا عشوائيًا، إذ ترتبط طهران ويريفان بعلاقات أمنية وسياسية متنامية في ظل التقارب التركي الأذربيجاني والضغوط الجيوسياسية المتزايدة في منطقة جنوب القوقاز.
ومن زاوية أخرى، يعكس ظهور المنظومة إدراكًا أرمينيًا متزايدًا بأن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على منظومات الدفاع الجوي الثقيلة بعيدة المدى، بل تتطلب أيضًا شبكات واسعة من الأنظمة القصيرة المدى القادرة على التصدي للأهداف الصغيرة والرخيصة التي أصبحت تمثل الخطر الأكبر على الوحدات العسكرية والمنشآت الحيوية. وقد أثبتت الحروب الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط أن الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة يمكن أن تستنزف حتى أكثر شبكات الدفاع الجوي تطورًا إذا لم تتوافر طبقات دفاعية متخصصة لهذا النوع من التهديدات.
كما أن النسخة المزودة بالرادار التي ظهرت في أرمينيا قد تكون مؤشرًا على اتجاه إيراني لتطوير المنظومة نحو نموذج أكثر تكاملًا وقابلية للتصدير، خاصة أن الأسواق الدفاعية العالمية تشهد طلبًا متزايدًا على أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى القادرة على مواجهة المسيّرات. وإذا ثبت نجاح هذه النسخة عمليًا، فقد تتحول إلى أحد أبرز المنتجات الدفاعية الإيرانية الموجهة للأسواق الخارجية خلال السنوات المقبلة.
وفي المحصلة، فإن ظهور Majid (AD-08) في الخدمة الأرمينية لا يمثل مجرد استعراض لسلاح جديد خلال عرض عسكري، بل يعكس تحولًا أوسع في بنية الدفاع الجوي الأرميني وتطورًا مهمًا في التعاون العسكري بين يريفان وطهران. كما يؤكد أن مواجهة الطائرات المسيّرة والذخائر الجوالة أصبحت أولوية مركزية في عقائد الدفاع الجوي الحديثة، وأن أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى ستواصل لعب دور متزايد الأهمية في تشكيل معادلات القوة العسكرية في منطقة جنوب القوقاز خلال السنوات المقبلة.