في خطوة تمثل أكبر عملية تحديث لأسطول المركبات اللوجستية والقتالية الخفيفة في تاريخها، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً عن الموافقة على صفقة مبيعات عسكرية خارجية (FMS) ضخمة لصالح الحكومة الإسرائيلية. تتضمن الصفقة توريد 3,250 مركبة من طراز Joint Light Tactical Vehicle (JLTV)، بقيمة تقديرية تصل إلى 1.98 مليار دولار. ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى إحداث إحلال شامل وتدريجي لأسطول مركبات Humvee (المعروفة بـ HMMWV) المتقادمة، والتي خدمت لعقود كعمود فقري للتنقل البري، لكنها لم تعد قادرة على تلبية متطلبات الحماية في ميادين القتال الحديثة المشبعة بالعبوات الناسفة والأسلحة المضادة للدروع.
تأتي هذه الصفقة، التي ستنفذها شركة AM General LLC بصفتها المقاول الرئيسي، كاستجابة مباشرة للدروس المستفادة من العمليات العسكرية المكثفة الأخيرة. وقد طلبت إسرائيل مزيجاً متنوعاً من طرازات JLTV لضمان مرونة عملياتية كاملة، تشمل النسخة النفعية M1279A1/A2/A3 (JLTV-UTL)، وناقلة الأسلحة الثقيلة M1278A1/A2/A3 (JLTV-HGC)، وناقلة أسلحة القتال القريب M1281A1/A2/A3 (JLTV-CCWC)، بالإضافة إلى نسخة الأغراض العامة M1280A1/A2/A3 (JLTV-GP).
لا تعتبر مركبة JLTV مجرد بديل للمركبة القديمة، بل هي قفزة تكنولوجية في مفهوم "الحماية والمناورة". تم تصميم المركبة لتوفير مستوى حماية يضاهي المركبات المقاومة للألغام والكمائن (MRAP) مع الحفاظ على سرعة وخفة حركة المركبات التكتيكية الخفيفة. وتتميز المركبات ببدن مصمم على شكل حرف (V) لتشتيت الانفجارات، وقمرة قيادة مدرعة بالكامل، وأنظمة تعليق مستقلة ذكية تسمح بالتحكم في ارتفاع المركبة حسب التضاريس.
وتشمل الصفقة أيضاً دمج محطات الأسلحة التي يتم التحكم فيها عن بُعد من طراز Common Remotely Operated Weapon Stations (CROWS)، ومعدات متطورة للقيادة والسيطرة والاتصالات والحاسب والذكاء والاستطلاع (C4ISR). كما تتضمن الاتفاقية توريد مقطورات الشحن M1289، وحزم الدعم اللوجستي المتكاملة، وتدريب الأطقم الفنية والعملياتية لمدة تصل إلى ست سنوات، مما يضمن دمجاً سلساً لهذه التكنولوجيا داخل وحدات الجيش الإسرائيلي النظامية والاحتياطية.
استراتيجياً، تعكس هذه الصفقة تحولاً جذرياً في عقيدة القتال البري الإسرائيلية، حيث أصبح "أمن الفرد" وسرعة الاستجابة اللوجستية ركيزتين لا غنى عنهما. إن الانتقال من Humvee إلى JLTV يعني أن خطوط الإمداد والاتصال (Lines of Communication) ستصبح أكثر حصانة ضد الكمائن، وهو أمر حيوي في حروب المدن والمناطق الوعرة. كما أن حجم الطلبية (3,250 مركبة) يشير إلى نية واضحة لتوحيد المنصات اللوجستية، مما يقلل من تعقيد سلاسل التوريد ويسهل عمليات الصيانة الميدانية تحت النار.
علاوة على ذلك، تعزز هذه الصفقة "الارتباط الصناعي-الدفاعي" بين واشنطن وتل أبيب في وقت حساس، حيث تضمن الولايات المتحدة بقاء حليفها الإقليمي في أعلى مستويات الجاهزية التكنولوجية. إن دمج مركبات JLTV الأمريكية الصنع مع أنظمة الدفاع النشط الإسرائيلية (مثل نظام Trophy المصغر أو الأنظمة السيبرانية المحلية) سيخلق هجيناً قتالياً فريداً قد يصبح نموذجاً يُحتذى به في حروب الجيل الخامس، حيث يتم دمج المدرعة الخفيفة لتصبح عقدة رقمية متحركة في شبكة القتال.
على الصعيد العالمي، يرسل هذا العقد إشارة قوية لمصنعي المركبات العسكرية حول العالم؛ فالسوق يتجه الآن وبقوة نحو المركبات التي تجمع بين "الوزن المتوسط والحماية القصوى". نجاح شركة AM General في تأمين هذا العقد الضخم يعزز من هيمنة منصة JLTV عالمياً، ويجعلها المعيار الذهبي للمركبات التكتيكية الخفيفة، مما قد يدفع دولاً أخرى في حلف شمال الأطلسي (NATO) والشرق الأوسط إلى تسريع خطط استبدال أساطيلها القديمة بمنصات مشابهة.
كما أن هذه الصفقة تفتح الباب لمنافسة محمومة في سوق "أنظمة الحماية الإضافية" (Add-on Armor) وأنظمة الأسلحة المدمجة، حيث تتسابق الشركات لتوفير ملحقات تقنية تجعل من JLTV منصة قادرة على حمل طائرات بدون طيار أو أنظمة تشويش إلكتروني. إن استثمار ملياري دولار في نوع واحد من المركبات يؤكد أن "اقتصاديات النطاق" (Economies of Scale) في الصناعات الدفاعية لا تزال تميل لصالح المنصات الأمريكية المعتمدة ميدانياً، مما يضع ضغوطاً تنافسية كبيرة على المصنعين الأوروبيين والآسيويين الذين يحاولون تسويق بدائل محلية.
يمثل الاستحواذ الإسرائيلي على JLTV نهاية حقبة "الجيب" العسكري التقليدي وبداية عصر "المدرعة الذكية الخفيفة"، وهي الخطوة التي ستعيد تعريف مفهوم الحركية المحمية في مسارح العمليات الأكثر تعقيداً في العالم.