أخبار: إيران تدفع بغواصات Ghadir إلى مضيق هرمز.. تصعيد بحري جديد يرفع مخاطر المواجهة مع البحرية الأمريكية

أكدت إيران رسميًا نشر غواصات Ghadir-class المدمجة داخل مضيق هرمز، في خطوة تعكس تصعيدًا واضحًا في استراتيجية “الردع البحري غير المتماثل” التي تتبناها طهران في مواجهة الضغوط العسكرية الأمريكية المتزايدة في الخليج العربي، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وعودة المواجهة البحرية إلى واجهة الصراع بين إيران وواشنطن.

وجاء الإعلان على لسان قائد البحرية الإيرانية خلال مناورات بحرية أقيمت في 10 مايو 2026، حيث أكد أن الغواصات الإيرانية الصغيرة أصبحت منتشرة في مواقع عملياتية داخل المضيق لمواجهة ما وصفه بـ”التهديدات المعادية”، في إشارة مباشرة إلى التحركات المكثفة للبحرية الأمريكية والقوات الغربية في المنطقة.

ويمثل هذا التطور مؤشرًا بالغ الخطورة على دخول المواجهة في الخليج مرحلة جديدة تعتمد بصورة أكبر على الحرب البحرية الخفية والعمليات تحت سطح الماء، خاصة أن مضيق هرمز يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية وقطاع كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال. وتأتي الخطوة الإيرانية بالتزامن مع تصاعد غير مسبوق في الحضور العسكري الأمريكي داخل المنطقة، بعد سلسلة من العمليات البحرية التي نفذتها المدمرات الأمريكية في المضيق خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب تكثيف عمليات الحماية البحرية وفتح الممرات التجارية بالقوة في مواجهة التهديدات الإيرانية المتزايدة ضد السفن التجارية والعسكرية.

وتُعد غواصات Ghadir من أبرز أدوات الحرب غير التقليدية التي طورتها إيران خلال العقدين الماضيين، إذ صُممت خصيصًا للعمل داخل المياه الضحلة للخليج العربي ومضيق هرمز، حيث يصعب على الغواصات التقليدية الأكبر حجمًا المناورة بكفاءة.

وبحسب البيانات المتاحة، تمتلك البحرية الإيرانية نحو 20 غواصة من فئة Ghadir، وهي غواصات ديزل-كهربائية صغيرة يبلغ طولها قرابة 29 مترًا وتزن نحو 120 طنًا تقريبًا، مع طاقم محدود وتسليح يعتمد على أنابيب طوربيد وقدرات زرع الألغام البحرية. وتتميز هذه الغواصات ببصمتها الصوتية المنخفضة وقدرتها العالية على الاختباء في البيئات الساحلية المعقدة والمياه الضحلة، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة بالنسبة لأنظمة مكافحة الغواصات التقليدية.

وتصف إيران هذه الغواصات بأنها “حراس غير مرئيين” للمضيق، بينما يرى خبراء عسكريون أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في القوة النارية المباشرة، بل في قدرتها على فرض تهديد دائم ومفتوح ضد الملاحة البحرية والسفن الحربية داخل أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وحساسية في العالم. وتعتمد العقيدة البحرية الإيرانية منذ سنوات على ما يعرف باستراتيجية “الحرمان البحري” Sea Denial، والتي تهدف إلى منع الخصوم من العمل بحرية داخل الخليج العربي، وليس بالضرورة تحقيق السيطرة البحرية التقليدية.

ولهذا السبب، ركزت طهران على تطوير أدوات منخفضة التكلفة وعالية الإزعاج العملياتي، تشمل الزوارق السريعة المسلحة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الساحلية، والألغام البحرية، والغواصات الصغيرة مثل Ghadir. ويعتقد مراقبون أن نشر غواصات Ghadir في المرحلة الحالية يحمل رسائل متعددة، أولها التأكيد أن إيران ما زالت قادرة على تهديد الملاحة الدولية رغم الضربات التي تعرضت لها بعض منشآتها البحرية خلال الأشهر الماضية. كما أن الإعلان العلني عن الانتشار يمثل جزءًا من الحرب النفسية الهادفة إلى رفع كلفة أي عملية عسكرية أمريكية داخل المضيق.

فالبيئة العملياتية في مضيق هرمز تمنح الغواصات الصغيرة أفضلية نسبية، إذ تتسم المنطقة بضيق المسارات البحرية وازدحام السفن التجارية وكثافة الحركة الملاحية، ما يصعّب عمليات الرصد والتتبع ويمنح الغواصات الإيرانية فرصًا أكبر لتنفيذ الكمائن البحرية أو عمليات زرع الألغام دون اكتشاف سريع.

كما أن الغواصات الصغيرة تمثل تهديدًا معقدًا بالنسبة للمدمرات والسفن الكبيرة التابعة للبحرية الأمريكية، لأن تكلفة اكتشافها وملاحقتها قد تكون أعلى بكثير من تكلفة تشغيلها، وهو جوهر الحرب غير المتماثلة التي تعتمد عليها إيران منذ سنوات في الخليج العربي.

وفي المقابل، كثفت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة عملياتها البحرية في المنطقة، حيث دفعت بمدمرات مزودة بمنظومة Aegis إلى مضيق هرمز لتنفيذ عمليات حماية للممرات البحرية والتعامل مع التهديدات الإيرانية متعددة الطبقات، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة.

كما تعمل البحرية الأمريكية على تطوير قدراتها في مواجهة التهديدات البحرية غير التقليدية، بما يشمل أنظمة الليزر البحرية، والسفن غير المأهولة، وقدرات الاستطلاع البحري المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في إطار سباق تقني متسارع مع إيران والصين في مجال الحرب البحرية المستقبلية.

ويشير محللون عسكريون إلى أن الغواصات الإيرانية الصغيرة لا تهدف بالضرورة إلى إغراق حاملات الطائرات الأمريكية أو خوض معارك بحرية تقليدية واسعة، بل إلى خلق حالة دائمة من التهديد وعدم اليقين، بما يؤدي إلى رفع تكاليف التأمين البحري، وإرباك حركة التجارة العالمية، وإجبار القوى الكبرى على تخصيص موارد ضخمة لحماية الملاحة في الخليج.

وقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا التأثير في الظهور، حيث ارتفعت تكاليف التأمين البحري على السفن العابرة لمضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة، كما اضطرت شركات شحن عالمية إلى تقليص نشاطها أو تغيير مساراتها بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة.

ومن الناحية الاستراتيجية، يعكس نشر Ghadir استمرار التحول في طبيعة الصراع البحري العالمي من المواجهات التقليدية بين الأساطيل الضخمة إلى صراعات تعتمد على الأنظمة الصغيرة والرخيصة نسبيًا والقادرة على تهديد الأصول البحرية باهظة الثمن.

فالحروب البحرية الحديثة لم تعد تعتمد فقط على حاملات الطائرات والمدمرات الثقيلة، بل باتت تشمل الغواصات الصغيرة والطائرات المسيّرة البحرية والألغام الذكية والزوارق الانتحارية، وهي أدوات أثبتت فاعلية متزايدة في النزاعات الأخيرة من البحر الأسود إلى البحر الأحمر والخليج العربي.

كما أن التحركات الإيرانية الحالية تأتي ضمن سياق أوسع من إعادة تمركز إقليمي بعد أشهر من التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تحاول طهران إظهار أنها ما زالت تحتفظ بقدرات ردع بحرية فعالة رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.

ويرى خبراء الطاقة أن أي تصعيد بحري واسع داخل مضيق هرمز قد يؤدي إلى اضطرابات خطيرة في أسواق النفط العالمية، خصوصًا في ظل هشاشة سلاسل الإمداد الحالية واعتماد الأسواق الآسيوية والأوروبية بصورة كبيرة على صادرات الخليج.

ولهذا السبب، لا يُنظر إلى نشر غواصات Ghadir باعتباره مجرد تحرك عسكري تكتيكي محدود، بل كجزء من معادلة ردع جيوسياسية أوسع تستخدم فيها إيران موقعها الجغرافي وقدراتها البحرية غير التقليدية كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الغرب.

وفي المحصلة، فإن إعلان إيران نشر غواصات Ghadir داخل مضيق هرمز يعكس تصعيدًا محسوبًا في الحرب البحرية الرمادية الدائرة في الخليج، ويؤكد أن طهران لا تزال تراهن على استراتيجية “الاستنزاف البحري غير المتماثل” لمواجهة التفوق العسكري الأمريكي. ومع استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد سباق التسلح البحري، يبدو أن مضيق هرمز يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث تصبح الغواصات الصغيرة والألغام والطائرات المسيّرة عناصر حاسمة في معادلات الأمن والطاقة العالميين.