أخبار: الكويت تطلق مشروعاً وطنياً لإنشاء مجمع صناعي لإنتاج الذخيرة الخفيفة

أعلنت وزارة الدفاع الكويتية (Kuwait Ministry of Defense) عن إطلاق مشروع وطني طموح لإنشاء أول مصنع متكامل لإنتاج الذخيرة الخفيفة (Light Ammunition Plant) على أراضي الدولة. وتأتي هذه المبادرة في ظل رؤية سياسية وعسكرية شاملة تهدف إلى تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية وتأمين الاحتياجات الأساسية للقوات المسلحة الكويتية والحرس الوطني في ظل الاضطرابات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.

وبحسب البيان الرسمي الصادر عن رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتي، فإن هذا المشروع يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية "الكويت 2035" فيما يخص قطاع الصناعات التحويلية والدفاعية. ومن المقرر أن يتم تنفيذ المصنع وفق أحدث المعايير العالمية بالتعاون مع شركاء تقنيين دوليين من دول رائدة في مجال الصناعات الدفاعية، لضمان إنتاج ذخائر تتوافق مع معايير حلف شمال الأطلسي (NATO Standards)، مما يفتح الباب مستقبلاً أمام إمكانية التصدير الإقليمي.

يتضمن المشروع بناء منشأة صناعية متطورة تضم خطوط إنتاج مؤتمتة بالكامل لإنتاج مختلف أنواع الذخائر الخفيفة، وفي مقدمتها عيارات 5.56x45mm و 7.62x51mm، وهي العيارات القياسية المستخدمة في بنادق الهجوم والرشاشات الخفيفة التي تسلح القوات البرية والوحدات الخاصة. كما سيشمل المجمع مراكز لاختبار الجودة، ومختبرات لتطوير المواد الكيميائية الدافعة، ومخازن استراتيجية مصممة وفق أعلى معايير الأمان العسكري.

وأشارت المصادر العسكرية إلى أن التعاقدات المرتبطة بالمصنع لا تشمل فقط توريد الآلات، بل تتضمن حزمة واسعة من "نقل التكنولوجيا" (Transfer of Technology - ToT)، وبرامج تدريبية مكثفة للكوادر الوطنية الكويتية من مهندسين وفنيين. ويهدف هذا التوجه إلى ضمان قدرة الكوادر المحلية على إدارة وتشغيل وصيانة المنشأة بشكل مستقل تماماً في غضون سنوات قليلة من بدء التشغيل الفعلي، مما يحقق مفهوم "الأمن الدفاعي المستدام".

تمثل هذه الخطوة من قبل دولة Kuwait تحولاً جوهرياً في العقيدة اللوجستية للدولة. فمن الناحية الاستراتيجية، أثبتت الأزمات العالمية الأخيرة، مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في البحر الأحمر، أن "أمن الذخيرة" لا يقل أهمية عن "أمن السلاح" نفسه. إن امتلاك القدرة على تصنيع الطلقات محلياً يمنح القيادة العسكرية الكويتية مرونة عملياتية كبرى، ويجعلها في مأمن من تقلبات الأسواق العالمية أو قرارات حظر التصدير التي قد تفرضها بعض الدول في حالات الطوارئ.

علاوة على ذلك، فإن وجود مصنع للذخيرة في الكويت يعزز من مكانتها كلاعب أمني مستقر في منطقة الخليج العربي. إذ يسهم هذا المشروع في تكامل المنظومة الدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي (GCC)، حيث يمكن للكويت أن تلعب دوراً كمركز إمداد تكميلي لجيرانها في حالات الأزمات، مما يقوي من مفهوم "الدفاع الجماعي". إن رسالة الكويت من هذا المشروع واضحة: هي الاستعداد الدائم والاعتماد على الذات في تأمين أبسط وأهم مقومات القتال، وهي الذخيرة.

على صعيد سوق الصناعات الدفاعية العالمي، يمثل دخول الكويت مجال إنتاج الذخيرة الخفيفة مؤشراً على تزايد نزعة "التوطين الدفاعي" في الدول المستوردة للسلاح. هذا التوجه سيؤدي على المدى البعيد إلى إعادة تشكيل خارطة الطلب العالمي؛ فبدلاً من استيراد المنتجات الجاهزة، أصبحت الدول تبحث عن شراء "خطوط الإنتاج" و"المعرفة الفنية" (Know-how).

بالنسبة للشركات العالمية المصنعة للذخائر، مثل شركات General Dynamics الأمريكية أو BAE Systems البريطانية أو شركات التصنيع الأوروبية، فإن المنافسة ستنتقل من بيع المنتج إلى بيع التكنولوجيا والتعاون الصناعي. كما أن نجاح الكويت في هذا المشروع سيشجع دولاً أخرى ذات ميزانيات دفاعية متوسطة على حذو حذوها، مما قد يؤدي إلى تخمة في مراكز الإنتاج الإقليمية، وهو ما سيجبر كبار المصنعين على الابتكار في أنواع جديدة من الذخائر الذكية أو ذات المدى الطويل للحفاظ على تفوقهم في السوق العالمي.

إن إنشاء مصنع الذخيرة الخفيفة في الكويت ليس مجرد مشروع صناعي، بل هو قرار سيادي بامتياز يربط بين الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. فالمصنع سيوفر مئات فرص العمل المتخصصة للشباب الكويتي، وسيسهم في تنويع مصادر الدخل القومي عبر بناء قاعدة صناعية ثقيلة.ومع اكتمال مراحل المشروع وبدء خطوط الإنتاج في العمل، ستنتقل الكويت من مرحلة "المستهلك النهائي" في سوق الذخيرة إلى مرحلة "المنتج السيادي". وسيكون التحدي القادم هو الحفاظ على وتيرة التطوير لمواكبة تقنيات الأسلحة الحديثة، ولكن بالنظر إلى الجدية التي توليها وزارة الدفاع لهذا الملف، يبدو أن الكويت تضع قدمها بثبات على خارطة الصناعات العسكرية الإقليمية، مما سيعيد رسم ملامح القوة اللوجستية في منطقة شمال الخليج العربي لسنوات طويلة قادمة.