حددت تركيا موعدًا جديدًا وحاسمًا في برنامج تطوير أول حاملة طائرات وطنية، بعدما أعلن قائد القوات البحرية التركية الأدميرال أرجمنت تاتلي أوغلو أن حاملة الطائرات MUGEM ستدخل المياه في 27 سبتمبر 2027، في خطوة تمثل انتقال المشروع من مرحلة بناء الهيكل والتطوير الهندسي إلى مرحلة أكثر تقدمًا من التكامل والاختبارات البحرية. ويأتي الإعلان في وقت تتسارع فيه أعمال بناء الحاملة داخل حوض بناء السفن في إسطنبول، بما يعكس الطموح التركي لإنشاء قدرة بحرية بعيدة المدى تعتمد بدرجة متزايدة على التصميم والتصنيع المحليين.
وجاء تأكيد موعد الإطلاق خلال فعاليات Teknofest Blue Homeland التي أقيمت في 23 أغسطس 2026، حيث أوضح قائد القوات البحرية التركية أن الحاملة الوطنية ستلتقي بالمياه في 27 سبتمبر من العام المقبل. ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة لأن الجدول الزمني السابق كان يشير بصورة عامة إلى إمكانية إطلاق الحاملة خلال الفترة بين عامي 2027 و2028، بينما يقدم الموعد الجديد تاريخًا محددًا يعكس مستوى أكبر من الثقة في تقدم أعمال البناء. وتؤكد البيانات التركية أن برنامج MUGEM يستهدف دخول الحاملة الخدمة عام 2032، ما يعني أن الفترة الممتدة بين الإطلاق والتسليم ستخصص لاستكمال تركيب الأنظمة والمعدات وإجراء اختبارات الميناء والبحر والتكامل النهائي للمنظومات القتالية والجوية.
ويعود تاريخ برنامج MUGEM إلى عام 2023، عندما بدأت تركيا أعمال تطوير مفهوم العمليات ودراسات الجدوى وتحليل البدائل، قبل الانتقال إلى مراحل تعريف المشروع والتصميم المفاهيمي ثم التصميم الأولي. ومع تقدم البرنامج، انتقلت الأعمال خلال عام 2026 إلى مراحل التصميم التفصيلي وتصميم العقود، بالتوازي مع استمرار أعمال بناء الهيكل في Istanbul Naval Shipyard. وبدأ البناء الفعلي للهيكل في يناير 2025، وهو ما يعني أن موعد الإطلاق المحدد في سبتمبر 2027 سيأتي بعد نحو عامين وثمانية أشهر من بدء أعمال البناء الفعلية.
وتتميز MUGEM بحجم يجعلها مختلفة بصورة واضحة عن السفينة الهجومية البرمائية TCG Anadolu التي تمثل حاليًا أكبر منصة بحرية تركية عاملة قادرة على تشغيل الطائرات والمروحيات والطائرات غير المأهولة. ويبلغ طول الحاملة الجديدة 285 مترًا، فيما تصل أقصى عرض لها إلى 72 مترًا ويبلغ غاطسها 10.1 متر، مع إزاحة تقارب 60 ألف طن. ووفق البيانات التركية، ستستوعب الحاملة ما يصل إلى 52 طائرة، إلى جانب قدرتها على تشغيل واستعادة منصات سطحية وتحت سطح الماء غير مأهولة، الأمر الذي يكشف عن تصميم لا يركز على الطائرات المأهولة وحدها، بل على دمج منظومة واسعة من القدرات الجوية والبحرية غير المأهولة.
لا تعتمد MUGEM على قدراتها الذاتية فقط لحماية نفسها، وإنما من المتوقع أن تعمل ضمن مجموعة بحرية متكاملة تضم فرقاطات ومدمرات وغواصات وسفن إمداد ومنصات غير مأهولة. وتأتي أهمية برنامج TF-2000 في هذا السياق، إذ تطور تركيا مدمرات متخصصة في الدفاع الجوي بعيد المدى يمكنها توفير طبقة حماية جوية إضافية حول مجموعة الحاملة. كما ستوفر الفرقاطات والغواصات قدرات مهمة في الحرب المضادة للغواصات وحماية الممرات البحرية، بينما يمكن للسفن غير المأهولة توسيع نطاق الاستطلاع والمراقبة حول المجموعة القتالية.
ويشير ذلك إلى أن بناء MUGEM لا يمكن النظر إليه باعتباره مشروع سفينة منفردة، وإنما باعتباره جزءًا من تحول أوسع في بنية البحرية التركية. فقد تزامن البرنامج مع توسع صناعة السفن الحربية المحلية وتطوير الفرقاطات والمدمرات والغواصات والأنظمة الصاروخية والطوربيدات والألغام البحرية. كما أعلنت القيادة البحرية التركية في أغسطس 2026 أن عشرات السفن كانت قيد البناء لصالح البحرية التركية والعملاء الأجانب، وهو ما يعكس اتساع قاعدة التصنيع البحري التركية وقدرتها المتنامية على تنفيذ برامج متعددة في الوقت نفسه.
ويحمل برنامج MUGEM أيضًا دلالة مهمة بالنسبة لصناعة الدفاع التركية، لأن الحاملة ستضم عددًا كبيرًا من الأنظمة المطورة محليًا، بما في ذلك أنظمة الرادار والإلكترونيات والاتصالات والقيادة والسيطرة، إلى جانب الأسلحة والطائرات والمنصات غير المأهولة. ويمنح هذا التكامل تركيا فرصة لبناء منظومة صناعية متكاملة حول المشروع، بحيث لا تقتصر القيمة الصناعية على تصنيع الهيكل، وإنما تمتد إلى البرمجيات وأجهزة الاستشعار والأسلحة والطائرات وأنظمة الدعم والصيانة والتدريب.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يمثل تحديد موعد 27 سبتمبر 2027 لإطلاق MUGEM نقطة تحول في مسار تركيا نحو امتلاك قدرة حاملة طائرات محلية الصنع. فالحاملة لن تمنح أنقرة مجرد منصة أكبر من TCG Anadolu، بل ستوفر لها مفهومًا مختلفًا للقوة البحرية، يقوم على الجمع بين الطائرات المأهولة والطائرات القتالية غير المأهولة والمنصات السطحية وتحت سطح الماء غير المأهولة ضمن شبكة عملياتية واحدة. وإذا نجحت تركيا في تحقيق التكامل المطلوب بين هذه العناصر، فإن MUGEM يمكن أن تصبح مركزًا لعمليات متعددة المجالات بدل أن تكون مجرد حاملة طائرات تقليدية.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة في ظل التغير الذي يشهده سوق حاملات الطائرات عالميًا. فتكلفة تشغيل حاملات الطائرات التقليدية الكبيرة تدفع العديد من الدول إلى البحث عن حلول أكثر مرونة تعتمد على الطائرات غير المأهولة، في حين تحاول القوى البحرية الكبرى الحفاظ على قدرة الطائرات المأهولة في مهام التفوق الجوي والضربات بعيدة المدى. ويقدم المشروع التركي نموذجًا وسطًا يجمع بين الاثنين، إذ يحتفظ بالحاجة إلى الطائرات المأهولة مثل Hürjet، لكنه يخصص مساحة كبيرة من مفهومه التشغيلي للطائرات غير المأهولة، وهو اتجاه يمكن أن يؤثر مستقبلًا في تصميم حاملات الطائرات متوسطة الحجم.
ومن ثم، فإن موعد إطلاق MUGEM في سبتمبر 2027 يمثل أكثر من مجرد تاريخ لبداية التجارب البحرية. إنه موعد لاختبار قدرة تركيا على الانتقال من تصميم حاملة طائرات وطنية إلى بناء منصة بهذا الحجم ثم دمج مجموعة معقدة من الأنظمة الجوية والبحرية عليها. وبين الإطلاق المتوقع في 2027 ودخول الخدمة المستهدف في 2032، ستواجه تركيا مرحلة شديدة التعقيد تشمل تركيب الأنظمة، ودمج الأسلحة والمستشعرات، واختبارات الإبحار، وتجارب سطح الطيران، وتطوير التكامل بين الحاملة والجناح الجوي والمنصات غير المأهولة. وإذا نجحت هذه المراحل وفق الجدول المخطط، فستكون MUGEM بحلول بداية العقد المقبل أحد أبرز مؤشرات التحول الذي تشهده الصناعة البحرية التركية، وستمنح أنقرة قدرة جديدة على العمل البحري بعيد المدى وتوسيع حضورها في سوق الصناعات الدفاعية البحرية عالميًا.