في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في العقيدة التسليحية لجنوب شرق آسيا، أعلنت وزارة الدفاع الفيتنامية عن إبرام صفقة دفاعية استراتيجية مع شركة Rafael Advanced Defense Systems الإسرائيلية، تهدف إلى الاستحواذ على منظومات الذخائر المتسكعة (Loitering Munitions) المتطورة من طراز Spike Firefly، والمعروفة في الداخل الإسرائيلي باسم Maoz. ولا تقتصر هذه الاتفاقية، التي قدرت قيمتها بنحو 250 مليون دولار أمريكي، على التوريد المباشر فحسب، بل تمتد لتشمل بنداً جوهرياً يتمثل في نقل التكنولوجيا (ToT) وتأسيس خط إنتاج محلي داخل الأراضي الفيتنامية، مما يضع هانوي على خارطة مصنعي الأسلحة الذكية في المنطقة.
تأتي هذه الصفقة لتعزز الترسانة الفيتنامية بواحدة من أكثر الأسلحة فتكاً في حروب المدن والبيئات المعقدة. وتعتبر منظومة Spike Firefly، وتحديداً النسخة الأحدث L-SPIKE 1x، ثورة في مفهوم الدعم الناري التكتيكي؛ فهي مسيرة انتحارية مصغرة محمولة بظهر الجندي، مصممة لتعمل كـ "عين في السماء" وسلاح ضارب في آن واحد. وتتميز المنظومة بقدرتها على التحليق فوق منطقة الهدف لمدة تصل إلى 30 دقيقة، مما يمنح المشاة قدرة فريدة على الاستطلاع وتحديد الأهداف المختبئة خلف الحواجز أو داخل المباني، ثم الانقضاض عليها بدقة جراحية عبر رأس حربي متشظٍ يزن حوالي 350 جراماً، مع إمكانية إلغاء المهمة في اللحظات الأخيرة إذا تطلب الموقف ذلك.
التفاصيل التقنية واللوجستية للصفقة بموجب بنود الاتفاق المبرم في أوائل فبراير 2026، ستقوم شركة فيتنامية محلية متخصصة في الصناعات الدفاعية، تحت إشراف وتراخيص من Rafael Advanced Defense Systems، بإدارة وتشغيل المنشأة الصناعية الجديدة. وسيشمل التعاون تدريب الكوادر الهندسية الفيتنامية على معايير التصنيع العسكري MIL-STD، لضمان كفاءة المنظومات في مواجهة ظروف الحرب الإلكترونية القاسية، بما في ذلك بيئات حجب نظام تحديد المواقع العالمي (GPS Jamming) والتشويش على الاتصالات، وهي ميزات جوهرية يتمتع بها طراز L-SPIKE 1x.
وتشير التقارير إلى أن الجدول الزمني لبدء الإنتاج سيبدأ فور اكتمال نقل حزم المعرفة الفنية (Know-how)، مما سيتيح للجيش الفيتنامي الحصول على كميات كبيرة من هذه الذخائر بتكلفة تشغيلية منخفضة، مع ضمان استدامة الإمدادات في حالات النزاع المسلح دون الاعتماد الكلي على سلاسل التوريد الخارجية.
تعد هذه الصفقة تجسيداً لاستراتيجية فيتنام الرامية إلى "الاكتفاء الذاتي الدفاعي" وسط تزايد حدة التوترات الجيوسياسية في بحر الصين الجنوبي. إن اختيار هانوي لمنظومة Spike Firefly يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة الحروب الحديثة؛ حيث لم يعد التفوق العددي كافياً، بل أصبح التفوق التكنولوجي في مجال "الأسلحة الجوالة" هو الكفة الراجحة.
يمنح إنتاج Spike Firefly محلياً قوات المشاة الفيتنامية "يداً طولى" في العمليات الجبلية والحضرية التي تميز التضاريس الفيتنامية. ومن خلال توطين هذه الصناعة، ترسل هانوي رسالة ردع واضحة مفادها أن أي محاولة للتدخل البري أو التسلل ستواجه بشبكة كثيفة من المسيرات الانتحارية التي لا يمكن التنبؤ بها. كما أن الاعتماد على شريك مثل Rafael، المشهود لها بالكفاءة القتالية لأنظمتها في نزاعات واقعية، يعزز من ثقة القيادة العسكرية الفيتنامية في كفاءة سلاحها الجديد.
علاوة على ذلك، يمثل هذا التعاون انتصاراً للدبلوماسية الدفاعية الإسرائيلية في جنوب شرق آسيا، حيث نجحت Rafael وشركات أخرى مثل IAI (التي باعت سابقاً أقماراً صناعية لهانوي) في حجز مكانة رائدة كمزود بديل للتقنيات الفائقة، بعيداً عن الاستقطاب التقليدي بين المعسكرين الشرقي والغربي.