في احتفالية عسكرية وتقنية تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية وكبرى شركات التصنيع الجوي العالمية، أعلنت شركة Pratt & Whitney Canada، التابعة لمجموعة RTX العملاقة، عن تحقيق إنجاز عملياتي استثنائي؛ حيث تجاوز أسطول طائرات التدريب المتقدم من طراز Pilatus PC-21 التابع للقوات الجوية الملكية السعودية (RSAF) حاجز الـ 100,000 ساعة طيران تراكمية. هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية زمنية، بل هو شهادة حية على كفاءة المحركات التوربينية من طراز PT6A-68B التي تشكل القلب النابض لهذا الأسطول الحيوي.
يعد أسطول الـ Pilatus PC-21 السعودي، المكون من 54 طائرة، الأكبر من نوعه في العالم، وهو يمثل الركيزة الأساسية لمنظومة إعداد طياري المقاتلات في المملكة. وتأتي هذه المناسبة لتسلط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه شركة Pratt & Whitney Canada في دعم الجاهزية القتالية للقوات الجوية، من خلال توفير محركات أثبتت موثوقية فائقة في ظل الظروف المناخية القاسية التي تتميز بها شبه الجزيرة العربية، من درجات حرارة مرتفعة وبيئة رملية تتطلب صيانة فائقة الدقة.
تعتمد طائرة Pilatus PC-21 على محرك Pratt & Whitney Canada PT6A-68B، وهو محرك توربيني (Turboprop) يولد قوة تصل إلى 1600 حصان، مما يمنح الطائرة أداءً يضاهي الطائرات النفاثة في معدلات الصعود والمناورة، مع الحفاظ على الكفاءة الاقتصادية للوقود. وقد تضمنت مسيرة الـ 100 ألف ساعة تعاوناً وثيقاً بين المهندسين السعوديين وفريق الدعم الفني في Pratt & Whitney، لضمان استمرارية الإمداد بقطع الغيار المعتمدة وبرامج الصيانة الوقائية (MRO).
وبموجب العقود المبرمة، التي تشرف عليها شركة BAE Systems كمتعهد رئيسي لنظام التدريب المتكامل، يتم تقديم حزم دعم لوجستي تشمل تحليل البيانات التشغيلية للمحركات في الوقت الحقيقي، وتوفير أدوات محاكاة متطورة تساعد الطيارين المتدربين على فهم استجابة المحرك في مختلف حالات الطوارئ. كما يمتد هذا التعاون ليشمل نقل المعرفة لشركات محلية مثل Middle East Propulsion Company (المعروفة بـ MEPC)، بما يتماشى مع مستهدفات "رؤية 2030" لتوطين خدمات صيانة المحركات العسكرية داخل المملكة.
أثر الجاهزية على إعداد "جيل التايفون والـ F-15SA" تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الإنجاز في كونه يعكس استدامة تدفق الكوادر البشرية المؤهلة للقوات الجوية الملكية السعودية. إن وصول محركات PT6A لهذا العدد الضخم من الساعات التشغيلية دون حوادث تقنية تذكر يعني أن مسار تدريب الطيارين لم يشهد أي انقطاع، وهو أمر حيوي لدولة تمتلك واحداً من أحدث أساطيل المقاتلات في العالم مثل Eurofighter Typhoon و F-15SA.
استراتيجياً، تبرهن السعودية من خلال هذا الأسطول الضخم على قدرتها على إدارة منظومات تدريبية معقدة بالتعاون مع شركاء دوليين من سويسرا (Pilatus Aircraft) وكندا (Pratt & Whitney). وهذا التنوع في الشراكات يمنح الرياض مرونة عالية في تأمين سلاسل التوريد الخاصة بها، ويجعل من المملكة مركزاً إقليمياً لخبرات تشغيل وصيانة طائرات PC-21، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلاً لاستقبال طيارين ومتدربين من دول صديقة وحليفة لتلقي التدريب في مرافقها المتطورة.
علاوة على ذلك، فإن نجاح محرك PT6A في "اختبار الصحراء" السعودي يعزز من الثقة العالمية في الأسلحة والمنظومات التي يختارها صانع القرار العسكري السعودي، حيث تُعرف معايير القبول لدى القوات الجوية السعودية بأنها من بين الأكثر صرامة في العالم.
إن تجاوز حاجز الـ 100 ألف ساعة طيران لأسطول PC-21 السعودي يرسل موجات إيجابية في سوق الطيران الدفاعي العالمي، ويمكن تحليل هذا التأثير في عدة نقاط:
- تكريس هيمنة عائلة PT6A: يؤكد هذا الإنجاز أن عائلة محركات PT6 من شركة Pratt & Whitney Canada تظل "المعيار الذهبي" لمحركات التوربين في العالم. هذا النجاح سيدفع دولاً أخرى تسعى لتحديث أساطيل التدريب لديها لاختيار نفس المنصة المحركة، مما يعزز الحصة السوقية للشركة أمام منافسين مثل Safran أو Honeywell.
- التحول نحو نماذج "التوفر التشغيلي" (Availability Contracts): بدلاً من عقود الشراء التقليدية، يتجه السوق العالمي الآن نحو العقود المبنية على النتائج (ساعات الطيران المضمونة). نجاح النموذج السعودي مع Pilatus و Pratt & Whitney سيصبح دراسة حالة (Case Study) تُحتذى في المعارض الدفاعية القادمة، حيث تطلب الجيوش ضمانات لساعات التشغيل بدلاً من مجرد شراء المعدات.
- نمو قطاع الـ MRO في الشرق الأوسط: بوجود هذا الحجم من ساعات الطيران، تتحول المملكة تدريجياً إلى "قوة عظمى" في مجال صيانة وعمرة المحركات التوربينية، مما يجذب استثمارات أجنبية مباشرة من شركات الطيران العالمية لتأسيس مراكز إصلاح إقليمية، مستفيدة من البنية التحتية والخبرات المتراكمة لدى الفنيين السعوديين.
يمثل وصول أسطول Pilatus PC-21 السعودي إلى 100,000 ساعة طيران بمحركات Pratt & Whitney Canada قصة نجاح تتجاوز حدود التقنية؛ إنها تجسيد لطموح عسكري لا يرضى بأقل من التميز العالمي، وتأكيد على أن سماء المملكة ستظل دائماً محمية بسواعد طيارين تدربوا على أفضل ما أنتجته التكنولوجيا الدفاعية في القرن الحادي والعشرين.