أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عن إبرام سلسلة من العقود الضخمة مع شركة Elbit Systems، تهدف في مقامها الأول إلى توسيع نطاق الإنتاج المحلي للذخائر والمعدات الدفاعية المتطورة. تأتي هذه الصفقات، التي قُدرت قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، كجزء من استراتيجية بعيدة المدى أطلق عليها المسؤولون "درع الإنتاج"، تهدف إلى تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية وضمان تدفق مستمر للذخائر الحيوية في أوقات الطوارئ والنزاعات طويلة الأمد.
وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن المديرية العامة للمشتريات الدفاعية، فإن الاتفاقية الموقعة في مطلع أبريل 2026 تتضمن شراء عشرات الآلاف من القذائف من عيار 155mm Artillery Shells، بالإضافة إلى حزم متكاملة من الذخائر الجوية والبرية. كما شمل التعاون التوسع في إنتاج أنظمة Precise & Universal Launching System (PULS)، وهي منصات إطلاق صواريخ متعددة المهام أثبتت كفاءة عالية في ميادين القتال الحديثة.
ولم يقتصر الأمر على الذخائر التقليدية، بل امتد ليشمل أنظمة متطورة من عائلة Accular 122mm و Accular 160mm، وهي صواريخ موجهة بدقة عالية صُممت لتقديم دعم ناري كثيف بمديات تتراوح ما بين 35 إلى 40 كيلومتراً. كما تضمن العقد المبرم مع Elbit Systems تعزيز خطوط إنتاج أنظمة الدفاع النشط والذخائر الجوالة من طراز Loitering Munitions، والتي باتت تشكل ركيزة أساسية في حروب الدرونات الحديثة.
أشارت التقارير الفنية إلى أن المصانع التابعة لشركة Elbit Systems في مختلف أنحاء إسرائيل قد بدأت بالفعل في رفع طاقتها الإنتاجية إلى الحد الأقصى، حيث تعمل بنظام ثلاث ورديات (24/7) لتلبية الجداول الزمنية الطموحة التي وضعتها وزارة الدفاع. ويهدف هذا التسارع إلى بناء مخزون استراتيجي ضخم يتجاوز الاحتياجات الفورية، ليتحول إلى "مخزن وطني" قادر على الصمود أمام أي حصار تسلحي أو تعطل في الملاحة الدولية.
تحمل هذه الصفقة في طياتها دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد سد النقص في العتاد؛ فهي تمثل إعلاناً صريحاً عن رغبة تل أبيب في فك الارتباط التدريجي بالضغوط السياسية التي قد تصاحب صفقات الأسلحة الدولية. إن التوجه نحو توطين صناعة 155mm Artillery Munitions والذخائر الذكية محلياً يعكس الدروس المستفادة من النزاعات الإقليمية الأخيرة، حيث أثبتت التجربة أن "عمق المخزون" لا يقل أهمية عن "جودة السلاح".
من الناحية الجيوسياسية، تعزز هذه الخطوة من قدرة إسرائيل على إدارة صراعاتها بشكل مستقل، مما يمنح صانع القرار السياسي هامش مناورة أوسع بعيداً عن التجاذبات الدولية حول صفقات التوريد. كما أن اختيار Elbit Systems كمقاول رئيسي يعزز من مفهوم "الاقتصاد الدفاعي الوطني"، حيث يتم تدوير الأموال العامة داخل المنظومة الصناعية المحلية، مما يؤدي إلى خلق آلاف الوظائف الفنية المتقدمة وتطوير تقنيات سيادية لا تملك أي جهة خارجية التحكم بها.
إن النجاح في توطين إنتاج ذخائر معقدة مثل Precision-Guided Rockets سيعيد رسم خارطة المنافسة مع الشركات الأمريكية والأوروبية العملاقة. فبينما تعاني العديد من الدول الغربية من بطء في استجابة قواعدها الصناعية الدفاعية للطلب المتزايد، تظهر المنظومة الإسرائيلية مرونة فائقة وقدرة على "التوسع السريع" (Scalability). هذا النموذج قد يصبح ملهماً لدول أخرى تسعى لتحقيق أمنها القومي عبر بوابة التصنيع المحلي، مما قد يؤدي إلى تراجع هيمنة الموردين التقليديين في سوق الذخائر التقليدية والذكية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التوسع في إنتاج منصات مثل PULS القادرة على إطلاق أنواع مختلفة من الصواريخ من منصة واحدة، يمثل تهديداً مباشراً لأنظمة مماثلة مثل الـ HIMARS الأمريكية، خاصة في الأسواق التي تبحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر مرونة في شروط الاستخدام. إن قدرة Elbit Systems على توفير حزمة متكاملة (المنصة + الذخيرة + الدعم الفني) تجعل منها "شريكاً استراتيجياً" وليس مجرد مورد، وهو ما بدا واضحاً في الصفقات الدولية الأخيرة التي تزامنت مع هذا التحول الداخلي، مثل العقود المبرمة مع اليونان وهولندا.
يمثل عقد وزارة الدفاع مع Elbit Systems نقطة تحول في مسار الاعتماد على الذات. إنها استجابة عملية لواقع دولي متغير، حيث لم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بما تمتلكه في ترسانتك اليوم، بل بقدرتك على تصنيع ما ستحتاجه غداً.