ي تحرك يعكس استراتيجية "التحول الرقمي الشامل" التي يتبناها الجيش الإسرائيلي، أعلنت شركة Elbit Systems عن إبرام سلسلة من العقود الضخمة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية بقيمة تتجاوز 100 مليون دولار، لتطوير وتوريد الجيل الخامس من "المصفوفة الرقمية" للجيش. تهدف هذه الخطوة إلى تحويل ساحة المعركة إلى بيئة "سحابية" مرتبطة كلياً، حيث تندمج فيها كافة أفرع القوات البرية، والبحرية، والجوية، والاستخبارات ضمن شبكة موحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي (AI).
تتضمن هذه الصفقات، التي تم الإعلان عنها في فبراير 2026، تطوير نسختين مطورتين من أهم الأنظمة الدفاعية والقيادية؛ الأولى هي برنامج "الجيش البري الرقمي" المعروف اختصاراً باسم Tzayad، والثانية هي منظومة الدفاع الحدودي متعددة المستشعرات المعروفة باسم MARS. ويأتي هذا التحديث كاستجابة مباشرة للدروس المستفادة من النزاعات الإقليمية الأخيرة، والتي أثبتت أن التفوق لا يعتمد فقط على القوة النارية، بل على سرعة معالجة البيانات وتوزيعها لحظياً.
يمثل نظام Tzayad في جيله الخامس العمود الفقري لعمليات القيادة والسيطرة (C4I). يتميز النظام بهندسة برمجية مفتوحة تسمح بدمج تطبيقات خارجية ومستشعرات متنوعة من منصات مختلفة. يقوم النظام بربط القادة في المقرات الرئيسية بالقوات المناورة في الميدان عبر أجهزة راديو تكتيكية مبرمجة برمجياً (Software Defined Radios - SDR) من عائلة E-LynX، مما يضمن تدفقاً آمناً وعالي السرعة للبيانات والخرائط الحية والصور الملتقطة من المسيرات.
أما نظام MARS، فيعد ثورة في حماية الحدود؛ حيث يدمج مصفوفة من المستشعرات الرادارية والكهرو-بصرية مع أنظمة "الذكاء الاصطناعي التوليدي" لتصنيف الأهداف آلياً والتمييز بين التهديدات الحقيقية والضوضاء البيئية. كما تم تزويد المنظومة بتقنيات "النيران الرقمية" (Digital Fire)، التي تسمح بربط الهدف المرصود بأقرب وسيلة إطلاق (سواء كانت مسيرة انتحارية أو مدفعية) بشكل مؤتمت جزئياً، مما يقلص زمن الاستجابة من دقائق إلى ثوانٍ معدودة.
من الناحية الاستراتيجية، تعني هذه الخطوة انتقال الجيش الإسرائيلي من مفهوم "الوحدات المستقلة" إلى مفهوم "الجيش المترابط برمجياً". إن دمج تقنيات "البيانات الضخمة" (Big Data) في صلب العمليات الميدانية يسمح بتحليل آلاف المتغيرات في وقت واحد، مما يمنح القادة قدرة تنبؤية بتحركات الخصم.
تكمن الدلالة الأعمق في تطبيق مفهوم "تعدد النطاقات" (Multi-Domain Operations). فمن خلال شبكة Elbit Systems، يمكن لجندي مشاة على الأرض أن يوجه ضربة جوية من مقاتلة F-35 أو يطلب دعماً نارياً من قطعة بحرية في عرض البحر بضغطة زر واحدة على جهازه اللوحي التكتيكي. هذا المستوى من "التوافقية التشغيلية" يهدف إلى خلق واقع عملياتي يتسم بـ "الفتك الدقيق" والقدرة العالية على البقاء، حيث تصبح المعلومات هي السلاح الأول في مواجهة التهديدات الهجينة وغير المتماثلة.
على الصعيد العالمي، تضع هذه العقود معايير جديدة لما يجب أن تكون عليه "الجيوش الحديثة" في عام 2026. نجاح Elbit Systems في بناء منظومة "خامسة الأجيال" تحت ضغط عملياتي واقعي يجعل من منتجاتها الخيار الأكثر جاذبية للدول التي تسعى لتحديث جيوشها، خاصة في ظل تزايد الطلب على أنظمة القيادة والسيطرة الذكية في أوروبا وآسيا.
من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تسارع وتيرة السباق العالمي في مجال "رقمنة الحروب". إن انتقال التركيز من المعدات الصلبة (مثل الدبابات والطائرات) إلى البرمجيات والشبكات سيخلق سوقاً هائلاً يقدر بعشرات المليارات. كما أن اعتماد الأنظمة المفتوحة في نظام Tzayad سيشجع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الدفاعية (Defense Tech) على تطوير تطبيقات متخصصة تندمج ضمن هذه الشبكة، مما يغير خارطة التوريد الدفاعي من عقود الشراء التقليدية إلى عقود "تطوير البرمجيات المستدام".