أخبار: البحرية الأمريكية تتسلم المدمرة الجديدة Flight III Arleigh Burke

في خطوة تعكس التسارع الكبير في برامج تحديث الأسطول الأمريكي، بدأت البحرية الأمريكية إجراءات استلام المدمرة الجديدة USS Ted Stevens (DDG 128) من فئة Flight III Arleigh Burke-class، في إطار استراتيجية بحرية واسعة تهدف إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي للأسطول الأمريكي في مواجهة التهديدات الصينية والروسية المتنامية، وعلى رأسها الصواريخ الفرط صوتية والأسلحة بعيدة المدى.

وغادرت المدمرة الحديثة أحواض بناء السفن التابعة لشركة HII Ingalls Shipbuilding في ولاية ميسيسيبي خلال مايو 2026 متجهة إلى Norfolk بولاية فرجينيا، تمهيداً لدخولها الخدمة الرسمية في البحرية الأمريكية خلال مراسم تدشين مرتقبة في ولاية ألاسكا.

وتُعد USS Ted Stevens واحدة من أحدث المدمرات الأمريكية وأكثرها تطوراً ضمن برنامج Flight III، الذي يمثل الجيل الأحدث من مدمرات Arleigh Burke الشهيرة، والتي تُعتبر العمود الفقري للقوة السطحية الأمريكية منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ويمثل دخول DDG 128 الخدمة محطة مهمة في خطة واشنطن لإعادة بناء التفوق البحري الأمريكي، خاصة مع تنامي القدرات البحرية الصينية وتسارع برامج الصواريخ الروسية بعيدة المدى، وهو ما دفع البنتاغون إلى التركيز بصورة متزايدة على تحديث قدرات الدفاع الجوي والصاروخي للسفن السطحية الأمريكية.

وتحمل USS Ted Stevens مجموعة من التحسينات الجوهرية مقارنة بالإصدارات السابقة من المدمرات الأمريكية، وفي مقدمتها رادار AN/SPY-6(V)1 Air and Missile Defense Radar الذي تطوره Raytheon، والذي يُعد أحد أهم عناصر التطوير في مشروع Flight III.

ويتميز الرادار الجديد بقدرة أكبر بكثير على اكتشاف وتتبع الأهداف الجوية والصاروخية المعقدة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والصواريخ الفرط صوتية والطائرات الشبحية والطائرات المسيّرة، مع قدرة محسنة على العمل في بيئات الحرب الإلكترونية عالية الكثافة.

وبحسب تقديرات أمريكية، يوفر SPY-6 حساسية أكبر بعشرات المرات مقارنة برادار SPY-1 المستخدم في النسخ السابقة من المدمرات الأمريكية، ما يمنح السفينة قدرة أكبر على التعامل مع التهديدات متعددة الاتجاهات والمتزامنة.

كما جرى دمج الرادار مع منظومة القتال Aegis Baseline 10، التي تمثل أحدث تطوير لمنظومة القيادة والسيطرة القتالية الأمريكية البحرية، وتوفر قدرات متقدمة في دمج البيانات وإدارة الاشتباكات متعددة المجالات ضمن شبكات القتال المشتركة للقوات الأمريكية والحلفاء.

وتُصنف مدمرات Flight III باعتبارها إحدى أهم أدوات الدفاع الصاروخي البحري الأمريكية، حيث صُممت خصيصاً لمواجهة البيئة القتالية المستقبلية التي تتزايد فيها تهديدات الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات الشبكية المعقدة.

وتضم USS Ted Stevens نحو 96 خلية إطلاق عمودي من طراز Mk 41 VLS، ما يمنحها قدرة على تشغيل مجموعة واسعة من الصواريخ، تشمل صواريخ SM-2 وSM-3 وSM-6 للدفاع الجوي والصاروخي، وصواريخ Tomahawk للهجوم البري بعيد المدى، إضافة إلى قدرات الحرب المضادة للغواصات.

ويمثل التركيز الأمريكي على تعزيز قدرات الدفاع ضد الصواريخ الفرط صوتية أحد أبرز الدوافع وراء تسريع إنتاج مدمرات Flight III، خاصة بعد التطورات الكبيرة التي حققتها روسيا والصين في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة.

فروسيا تمتلك بالفعل صواريخ مثل Zircon وKinzhal، بينما تعمل الصين على توسيع ترسانتها من الصواريخ الفرط صوتية المضادة للسفن، وهو ما تعتبره واشنطن تحدياً مباشراً لتفوق حاملات الطائرات الأمريكية والقوة البحرية التقليدية للولايات المتحدة.

ولهذا السبب، أصبحت المدمرات الحديثة المزودة برادارات SPY-6 ومنظومات Aegis المطورة تمثل حجر الأساس في العقيدة الأمريكية الجديدة للدفاع الجوي البحري متعدد الطبقات.

ومن الناحية العملياتية، صُممت سفن Flight III للعمل كعقد قتالية رئيسية داخل مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية، مع قدرة على إدارة الاشتباكات الجوية والصاروخية وتنسيق الدفاعات البحرية ضمن بيئة قتالية شبكية معقدة.

كما تمنحها قدراتها المتعددة مهاماً واسعة تشمل الدفاع الصاروخي، والحرب المضادة للغواصات، والحرب السطحية، ومرافقة حاملات الطائرات، وتنفيذ الضربات بعيدة المدى ضد أهداف برية وبحرية.

ويأتي تسليم USS Ted Stevens في وقت تعمل فيه البحرية الأمريكية على زيادة وتيرة إنتاج المدمرات الحديثة ضمن خطط رفع الجاهزية البحرية الأمريكية في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتصاعد المنافسة العسكرية مع الصين بصورة غير مسبوقة.

وبحسب شركة HII، فإن أحواض Ingalls Shipbuilding تعمل حالياً على بناء عدة مدمرات إضافية من فئة Flight III، تشمل USS Jeremiah Denton وUSS George M. Neal وUSS Sam Nunn وUSS Thad Cochran، في إطار برنامج طويل الأمد لتوسيع الأسطول الأمريكي.

كما بدأت واشنطن بالفعل التخطيط لإنتاج دفعات إضافية من هذه الفئة خلال السنوات المقبلة، في ظل قناعة متزايدة داخل البنتاغون بأن مدمرات Flight III ستظل تمثل العمود الفقري للأسطول السطحي الأمريكي حتى دخول الجيل القادم من المدمرات DDG(X) الخدمة مستقبلاً.

ومن الناحية الصناعية، يعكس البرنامج استمرار الزخم الكبير داخل قطاع بناء السفن العسكرية الأمريكية، حيث تسعى واشنطن إلى الحفاظ على تفوقها البحري في مواجهة التوسع السريع للأسطول الصيني، الذي بات يمتلك أكبر عدد من القطع البحرية عالمياً.

كما يوفر برنامج Flight III دفعة قوية لشركات الصناعات الدفاعية الأمريكية الكبرى، وعلى رأسها HII وRaytheon وLockheed Martin، المرتبطة بمنظومات الرادار والتسليح والقيادة والسيطرة الخاصة بالمدمرات الحديثة.

ويرى محللون أن USS Ted Stevens تمثل أكثر من مجرد مدمرة جديدة تنضم للأسطول الأمريكي، بل تعكس تحولاً أوسع في العقيدة البحرية الأمريكية نحو التركيز على “الحرب البحرية عالية الكثافة” والاستعداد لمواجهة خصوم يمتلكون قدرات صاروخية متقدمة وحرب إلكترونية متطورة.

كما أن التركيز الأمريكي على الدفاع ضد الصواريخ الفرط صوتية يعكس إدراكاً متزايداً داخل البنتاجون بأن ميزان القوة البحرية العالمي يشهد تغيرات جوهرية قد تهدد الهيمنة البحرية الأمريكية التقليدية لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة.

وفي هذا السياق، تبدو مدمرات Flight III بمثابة خط الدفاع البحري الأول للولايات المتحدة خلال العقد المقبل، خاصة مع تصاعد احتمالات المواجهة الاستراتيجية في منطقة Indo-Pacific، التي باتت تمثل المسرح الرئيسي للتنافس العسكري بين واشنطن وبكين.