أخبار: البحرية الأمريكية تعزز دفاعاتها تحت الماء بجيل جديد من التدابير المضادة للطوربيدات

في إطار مساعيها الحثيثة للحفاظ على التفوق النوعي في أعماق البحار، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن توقيع عقد تطويري وإنتاجي ضخم لصالح الـ US Navy، يهدف إلى تعزيز قدرات السفن السطحية والغواصات في مواجهة التهديدات المتزايدة من الطوربيدات المعادية. تركز هذه الصفقة على إنتاج الجيل الجديد من أنظمة Torpedo Countermeasure (التدابير المضادة للطوربيدات)، وبالأخص نظام ADC MK2 (Acoustic Device Countermeasure)، الذي يعد خط الدفاع الأخير والأكثر حيوية للمنصات البحرية في بيئات القتال المشبعة بالتهديدات تحت المائية.

تم الكشف عن تفاصيل هذا التعاون في فبراير 2026، حيث أُسندت مهام التطوير والإنتاج لشركات رائدة في تكنولوجيا الصوتيات البحرية، وعلى رأسها Argon ST (التابعة لشركة Boeing) وشركة Northrop Grumman. تهدف هذه الأنظمة إلى إطلاق "شرك" أو جهاز خداع صوتي يقوم بمحاكاة البصمة الصوتية للسفينة أو الغواصة المستهدفة، مما يؤدي إلى تضليل الطوربيدات الموجهة صوتياً (Acoustic Homing Torpedoes) بعيداً عن بدن السفينة الحقيقي، وهو ما يرفع معدلات النجاة في المواجهات البحرية المباشرة إلى مستويات قياسية.

تأتي هذه الصفقة في وقت تشهد فيه القوى البحرية العالمية، خاصة في منطقة المحيط الهادئ والأطلسي، سباق تسلح محموم في مجال الغواصات الهجومية الصامتة والطوربيدات الذكية بعيدة المدى. إن استثمار الـ US Navy في تقنيات Torpedo Countermeasure يعكس إدراكاً استراتيجياً عميقاً بأن التفوق البحري لا يعتمد فقط على قوة الهجوم، بل على "حصانة" المنصات البحرية الكبرى مثل حاملات الطائرات والمدمرات من طراز Arleigh Burke-class.

دلالة هذه الصفقة تكمن في الانتقال من الدفاع السلبي إلى "الدفاع النشط والذكي" تحت الماء. فمع تطور الطوربيدات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتمييز الأهداف الحقيقية عن الشراك الخداعية القديمة، كان لزاماً على الولايات المتحدة تطوير أنظمة ADC MK2 لتكون قادرة على توليد بصمات صوتية معقدة وديناميكية يصعب اختراقها. هذا التطور يمنح الأساطيل الأمريكية حرية الحركة في "المناطق المحرمة" (A2/AD zones)، حيث تشكل الغواصات والكمائن البحرية التهديد الأكبر لحرية الملاحة الدولية.

على الصعيد العالمي، سيؤدي هذا الإعلان إلى إعادة صياغة أولويات الإنفاق الدفاعي البحري للعديد من الدول. سوق الـ Undersea Warfare (حرب تحت الماء) يشهد نمواً انفجارياً، وهذه الصفقة تضع معياراً تقنياً جديداً ستحاول القوى المنافسة الوصول إليه أو تجاوزه. الشركات المصنعة للطوربيدات حول العالم ستضطر الآن إلى استثمار مليارات الدولارات في تطوير رؤوس باحثة (Seekers) أكثر ذكاءً لمحاولة التغلب على أنظمة الخداع الأمريكية الجديدة، مما يخلق حلقة مستمرة من التنافس التقني.

من ناحية أخرى، تفتح هذه الصفقة الباب أمام سوق تصدير واسع لحلفاء الولايات المتحدة الذين يسعون لتأمين قطعهم البحرية ضد الغواصات الحديثة. إن الطلب على حلول الـ Acoustic Countermeasures سيشهد طفرة في أسواق الشرق الأوسط وشرق آسيا، مما يعزز من هيمنة الشركات الأمريكية على قطاع الإلكترونيات البحرية. كما أن هذا التوجه نحو "الحماية الصوتية الرقمية" سيحفز الابتكار في مجالات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي البحري، مما يجعل معركة "البقاء تحت الماء" تعتمد على التفوق البرمجي بقدر اعتمادها على القوة التدميرية، وهو تحول جذري في عقيدة الصناعات الدفاعية البحرية للقرن الحادي والعشرين.