في خطوة استراتيجية تهدف إلى إحكام السيطرة المعلوماتية وتعزيز قدرات الاستطلاع البحري، أعلنت البحرية اليونانية (Hellenic Navy) عن دخول نظام الطائرات بدون طيار CAMCOPTER S-100، الذي تنتجه شركة Schiebel النمساوية، الخدمة الفعلية على متن فرقاطاتها الرئيسية. هذه الصفقة، التي اكتملت مراحل تسليمها واختباراتها النهائية في منتصف فبراير 2026، تمثل تحولاً جوهرياً في عقيدة العمليات البحرية اليونانية، حيث تنتقل من الرصد الراداري التقليدي إلى "الرقابة الكهروبصرية المستمرة" فوق مناطق التماس البحرية الحساسة، مما يمنح أثينا عيوناً لا تنام في سماء بحر إيجة وشرق المتوسط.
تأتي هذه الصفقة كجزء من برنامج التحديث الشامل للقوات المسلحة اليونانية، حيث تعاقدت وزارة الدفاع في أثينا مع شركة Schiebel لتزويد فرقاطاتها من فئة Elli-class وفئة Hydra-class، بالإضافة إلى الفرقاطات الجديدة FDI Belharra، بنظام CAMCOPTER S-100 المتطور. وتتضمن الصفقة، التي قُدرت قيمتها بعشرات الملايين من اليورو، توريد وحدات الطيران، ومحطات التحكم الأرضية المدمجة، بالإضافة إلى حزمة دعم لوجستي وتدريب مكثف للأطقم اليونانية.
يتميز نظام CAMCOPTER S-100 بقدرته الفريدة على الإقلاع والهبوط العمودي (VTOL) من أسطح السفن الصغيرة دون الحاجة لمعدات إطلاق أو استرداد معقدة. وقد تم تجهيز النسخ اليونانية بمستشعرات كهروبصرية وحرارية (L3Harris Wescam MX-10) ورادارات مراقبة بحرية متطورة، مما يسمح لها بالبقاء في الجو لمدة تزيد عن 6 ساعات بمدى عملياتي يصل إلى 200 كيلومتر، وهي قدرة حاسمة لتغطية الفجوات الاستخباراتية بين الجزر اليونانية المتعددة.
تحمل هذه الخطوة دلالات استراتيجية عميقة بالنظر إلى السياق الجيوسياسي المتوتر في شرق المتوسط. أولاً، تعتبر المسيرة CAMCOPTER S-100 "مضاعفاً للقوة" (Force Multiplier) للبحرية اليونانية؛ فهي تتيح للسفن الحربية رصد التهديدات السطحية، مثل قوارب الهجرة غير الشرعية، والتحركات البحرية المشبوهة، أو حتى "حرب المسيرات" المعادية، من مسافات آمنة تتجاوز أفق الرؤية الراداري للسفينة (Beyond Line of Sight).
ثانياً، تمثل هذه المسيرات رداً تكنولوجياً ذكياً على التفوق الكمي الذي تحاول بعض القوى الإقليمية فرضه عبر المسيرات الانتحارية والزوارق السريعة. فبامتلاك أثينا لنظام S-100، تصبح القدرة على كشف الأهداف الصغيرة ذات البصمة الرادارية المنخفضة أمراً ميسوراً، مما يعزز من مفهوم "الوعي بالمجال البحري" (Maritime Domain Awareness) ويقلل من فرص المفاجأة التكتيكية.
ثالثاً، تعكس الصفقة توجه اليونان نحو "الاستقلال العملياتي"؛ حيث تمنح هذه الأنظمة القادة الميدانيين القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات بصرية حية دون الحاجة لانتظار معلومات من طائرات الاستطلاع الكبيرة أو الأقمار الصناعية، وهو أمر حيوي في النزاعات الخاطفة التي قد تنشب في المحيط المباشر للجزر.
على الصعيد العالمي، يعزز نجاح CAMCOPTER S-100 في اليونان مكانة شركة Schiebel كقائد عالمي في سوق المسيرات العمودية البحرية. إن اعتماد دولة ذات خبرة بحرية عريقة مثل اليونان على هذا النظام يرسل إشارة قوية لمختلف القوى البحرية في العالم، وخاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بأن المسيرات العمودية الصغيرة هي مستقبل "الطيران العضوي" المحمول على السفن.
من الناحية السوقية، ستؤدي هذه الصفقة إلى زيادة التنافس بين الشركات الأوروبية والأمريكية (مثل AeroVironment و Northrop Grumman) لتطوير منصات VTOL أكثر قدرة على التحمل وحمل الأوزان. إن سوق "المسيرات التكتيكية البحرية" يشهد نمواً انفجارياً، حيث تشير التقديرات إلى أن حجم هذا السوق سيتضاعف بحلول عام 2030 نتيجة حاجة الأساطيل لتوسيع نطاق استشعارها دون زيادة حجم السفن أو تكاليف تشغيل المروحيات المأهولة.
علاوة على ذلك، يمثل دمج S-100 في البحرية اليونانية نموذجاً لـ "التحول الرقمي للدفاع"؛ حيث لم يعد السلاح البحري يُقاس بعدد المدافع فحسب، بل بمدى القدرة على دمج الأنظمة غير المأهولة في الشبكة القتالية الموحدة. إن اليونان، عبر هذه الصفقة، لا تشتري طائرات درون، بل تشتري "التفوق المعلوماتي" الذي سيحدد المنتصر في صراعات البحار القادمة.