أعلنت وزارة الدفاع السعودية عن توقيع اتفاقية ضخمة مع شركات دفاعية تركية رائدة لتوطين وتطوير القوارب الانتحارية المسيرة (Unmanned Surface Vessels - USVs). تأتي هذه الصفقة لتعزز مكانة المملكة كقوة إقليمية مهيمنة في مجال الأنظمة البحرية غير المأهولة، بالتعاون مع العملاق التركي Baykar وشركة ASELSAN، اللتين أثبتتا كفاءة قتالية استثنائية في مسارح العمليات الدولية الحديثة.
تتجاوز هذه الاتفاقية مجرد "صفقة شراء" تقليدية، حيث تركز في جوهرها على نقل التكنولوجيا (Technology Transfer) وإنشاء خطوط إنتاج داخل المملكة تحت إشراف الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI). وتتضمن الصفقة تزويد القوات البحرية الملكية السعودية بأساطيل من القوارب المسيرة المتطورة، وعلى رأسها الطرازات الانتحارية التي تتميز بقدرات تخفي عالية (Stealth Capabilities) وقدرة على المناورة في البيئات البحرية المزدحمة.
النظام الدفاعي الجديد سيدمج تقنيات ASELSAN المتطورة في مجال الاستشعار عن بعد والتحكم عبر الأقمار الصناعية، مما يسمح لهذه الزوارق بضرب أهدافها بدقة متناهية من مسافات بعيدة. كما تشمل الصفقة تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تنسيق "هجمات الأسراب" (Swarm Intelligence)، حيث يمكن لمجموعة من القوارب المسيرة العمل بشكل جماعي ومنظم لإغراق أنظمة الدفاع الصاروخي للسفن المعادية.
يأتي هذا الإعلان كجزء من سلسلة من النجاحات التي حققتها اللجنة السعودية التركية المشتركة للتعاون الدفاعي. ومن الجدير بالذكر أن هذا التعاون هو امتداد للنجاحات السابقة التي حققتها طائرة Akinci وطائرة Bayraktar TB2 في المملكة، حيث تسعى الرياض لدمج هذه المنصات الجوية مع المنصات البحرية الجديدة لخلق شبكة دفاعية "متعددة النطاقات" (Multi-Domain Operations) تضمن السيطرة الكاملة على البحر الأحمر والخليج العربي.
تمثل هذه الصفقة تحولاً بنيوياً في موازين القوى الإقليمية، ولها دلالات استراتيجية عميقة:
أولاً: الردع البحري غير المتكافئ
تمتلك المملكة العربية السعودية سواحل ممتدة وحيوية للتجارة العالمية. إن امتلاك تكنولوجيا USVs الانتحارية يمنح البحرية السعودية القدرة على ممارسة "حرب غير متكافئة" (Asymmetric Warfare) ضد أي تهديدات بحرية، بما في ذلك الأساطيل التقليدية الكبيرة. هذه القوارب صغيرة الحجم، يصعب رصدها رادارياً، وتكلفتها ضئيلة مقارنة بالفرقاطات، مما يجعلها سلاح ردع فعالاً يحمي ممرات الطاقة العالمية.
ثانياً: الاستقلال الاستراتيجي ورؤية 2030
تعد هذه الاتفاقية حجر زاوية في رؤية المملكة 2030 التي تستهدف توطين 50% من الإنفاق العسكري. من خلال تصنيع القوارب المسيرة محلياً، تضمن المملكة استمرارية سلاسل التوريد الخاصة بها بعيداً عن الضغوط السياسية الدولية، وتتحول من "مستهلك للسلاح" إلى "شريك تقني" يساهم في تطوير الجيل القادم من الأسلحة البحرية.
ثالثاً: التكامل الدفاعي الإقليمي
التحالف الدفاعي بين الرياض وأنقرة يخلق قطباً تكنولوجياً جديداً في المنطقة. هذا القطب يعتمد على الخبرة القتالية التركية والقدرة التمويلية والصناعية السعودية، مما يقلل الاعتماد الكلي على المنصات الغربية ويوفر بدائل تكنولوجية مرنة ومتطورة تتناسب مع جغرافيا المنطقة وتهديداتها الخاصة.
لسنوات، كانت تكنولوجيا القوارب المسيرة المتطورة حكراً على عدد قليل من الدول (مثل الولايات المتحدة وإسرائيل). دخول الشراكة السعودية-التركية بهذا الثقل يعني ظهور منافس عالمي جديد قادر على تصدير هذه التقنيات لدول أخرى، مما سيزيد من حدة التنافس السعري والتقني بين الشركات العالمية مثل L3Harris و Saab.
تثبت هذه الصفقة أن مستقبل الحروب البحرية ليس في السفن الضخمة فحسب، بل في الأنظمة الذكية الصغيرة القابلة للاستهلاك. هذا التوجه سيجبر القوى البحرية الكبرى على إعادة النظر في استراتيجيات بناء الأساطيل، والتحول نحو استثمارات أكبر في أنظمة مكافحة المسيرات البحرية (Counter-USV)، مما سيخلق سوقاً ثانوياً ضخماً لهذه الدفاعات.
أصبحت تركيا الآن مركزاً عالمياً لـ "دبلوماسية المسيرات"، وانتقال هذه التكنولوجيا للمملكة سيعزز من قدرة الدولتين على تشكيل التحالفات الأمنية الدولية بناءً على التعاون التقني، وليس فقط مبيعات الأسلحة الجاهزة. هذا النمط من التعاون سيشجع دولاً أخرى في آسيا وأفريقيا على البحث عن شراكات مماثلة تعتمد على الإنتاج المشترك.