حققت الغواصة الإسبانية S-82 Narciso Monturiol، ثاني غواصات فئة S-80 التي تطورها شركة Navantia، إنجازًا تقنيًا جديدًا بعد نجاحها في اجتياز أول اختبار الغوص الساكن (Static Dive) داخل حوض بناء السفن في Cartagena، في خطوة تمثل إحدى أهم المراحل الفنية قبل الانتقال إلى التجارب البحرية الكاملة، تمهيدًا لتسليمها إلى البحرية الإسبانية خلال عام 2027. ويؤكد هذا التطور استمرار تقدم برنامج S-80، الذي يمثل أكبر مشروع لبناء غواصات تقليدية في تاريخ إسبانيا، ويهدف إلى تزويد البحرية بمنصات قادرة على تنفيذ مهام بعيدة المدى مع الاعتماد على تقنيات محلية متطورة.
ويعد اختبار الغوص الساكن من أهم مراحل التأهيل الفني لأي غواصة جديدة، إذ يهدف إلى التحقق من قدرة الغواصة على التحكم في الطفو والاتزان باستخدام خزانات الصابورة، مع اختبار أداء الأنظمة الهيدروليكية والميكانيكية والإلكترونية المرتبطة بعمليات الغوص والصعود، دون مغادرة الرصيف. كما يسمح هذا الاختبار للمهندسين بالتأكد من سلامة الهيكل الضاغط وعدم وجود أي تسربات أو مشكلات قد تؤثر على أداء الغواصة قبل بدء التجارب البحرية الفعلية.
وجرت الاختبارات داخل منشآت Navantia في Cartagena بحضور فرق الشركة والبحرية الإسبانية، حيث خضعت S-82 لسلسلة من القياسات الدقيقة للتأكد من تحقيق متطلبات التصميم الخاصة بالطفو والتوازن، وهي مرحلة أساسية قبل السماح للغواصة بالانتقال إلى اختبارات الإبحار والغوص في المياه المفتوحة. ويأتي نجاح هذه المرحلة بعد أشهر من استكمال أعمال دمج الأنظمة الرئيسية وتجهيز الغواصة للاختبارات التشغيلية.
وتنتمي S-82 Narciso Monturiol إلى فئة S-80 التي طورتها Navantia بالكامل لصالح البحرية الإسبانية، وتبلغ إزاحتها نحو 3,000 طن أثناء الغطس، فيما يصل طولها إلى قرابة 81 مترًا، ما يجعلها من أكبر الغواصات التقليدية العاملة في أوروبا. وقد صُممت لتنفيذ طيف واسع من المهام، يشمل مكافحة الغواصات والسفن، وجمع المعلومات الاستخباراتية، ودعم القوات الخاصة، وحماية خطوط الملاحة، إضافة إلى تنفيذ عمليات الردع في المياه البعيدة.
وتتميز الغواصة بمنظومة إدارة قتال متطورة طورتها Navantia Sistemas بالتعاون مع Lockheed Martin، إلى جانب مجموعة متقدمة من السونارات وأجهزة الاستشعار التي تمنحها قدرة عالية على كشف وتتبع الأهداف البحرية وتحت السطحية. كما تعتمد على ستة أنابيب طوربيد عيار 533 ملم قادرة على إطلاق طوربيدات ثقيلة وصواريخ مضادة للسفن، مع إمكانية تنفيذ مهام زرع الألغام البحرية ودعم العمليات الخاصة.
ويمثل برنامج S-80 أحد أكثر البرامج الدفاعية طموحًا في أوروبا، بعدما واجه تحديات هندسية معقدة خلال مراحل التطوير، أبرزها إعادة تصميم الغواصة لمعالجة مشكلة الاتزان وزيادة طول الهيكل، قبل أن تنجح Navantia في تجاوز هذه العقبات وإطلاق أول غواصة من الفئة S-81 Isaac Peral التي دخلت الخدمة بالفعل لدى البحرية الإسبانية في نوفمبر 2023. ومنذ ذلك الحين، تواصل الشركة بناء الغواصات الثلاث المتبقية وهي S-82 Narciso Monturiol وS-83 Cosme García وS-84 Mateo García de los Reyes وفق جدول إنتاج متسارع.
ومن أبرز المزايا التي ستحصل عليها غواصات الفئة لاحقًا دمج منظومة Air Independent Propulsion (AIP) التي طورتها Navantia تحت اسم BEST (Bio-Ethanol Stealth Technology)، والتي تعتمد على إعادة تشكيل الوقود الحيوي لإنتاج الهيدروجين وتشغيل خلايا الوقود، ما يسمح للغواصة بالبقاء تحت الماء لفترات أطول دون الحاجة إلى استخدام محركات الديزل أو الصعود إلى السطح لشحن البطاريات. ومن المقرر أن تُدمج هذه المنظومة في S-82 خلال أول عملية صيانة رئيسية بعد دخولها الخدمة، كما ستُركب على الغواصات التالية منذ مرحلة البناء.
ويؤكد نجاح اختبار الغوص الساكن أن البرنامج يسير وفق الجدول الزمني الذي وضعته Navantia بعد سنوات من التأخير، إذ تمثل هذه المرحلة البوابة الرئيسية للانتقال إلى التجارب البحرية التي ستشمل اختبار السرعة، والمناورة، والغوص على أعماق مختلفة، وأنظمة الملاحة والاتصالات والتسليح، قبل اعتماد الغواصة رسميًا من قبل البحرية الإسبانية.
ستمنح S-82 البحرية الإسبانية قدرة أكبر على تنفيذ الدوريات بعيدة المدى في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، مع تعزيز إمكاناتها في حماية البنية التحتية البحرية وخطوط الملاحة ومراقبة التحركات البحرية في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. كما أن دمج منظومة AIP مستقبلاً سيزيد من قدرة الغواصة على تنفيذ مهام التخفي والمراقبة لفترات طويلة، وهو ما يمثل عنصرًا حاسمًا في عمليات الردع الحديثة.
كما يعكس تقدم برنامج S-80 نجاح إسبانيا في بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على تصميم وإنتاج غواصات تقليدية متطورة دون الاعتماد على تصاميم أجنبية جاهزة، وهو إنجاز يضع Navantia ضمن عدد محدود من الشركات العالمية القادرة على تطوير هذا النوع من المنصات البحرية المعقدة. كما يمنح البرنامج مدريد مرونة أكبر في تطوير قدراتها البحرية وتوسيع حضورها في سوق تصدير الغواصات التقليدية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المنصات المزودة بمنظومات AIP القادرة على الجمع بين انخفاض التكلفة والقدرة العالية على التخفي.
إن اجتياز S-82 لاختبار الغوص الساكن يمثل مؤشرًا مهمًا على نضج البرنامج بعد سنوات من التحديات التقنية، ويعزز ثقة الأسواق الدولية في قدرات Navantia على تنفيذ مشاريع بحرية معقدة. كما يدعم مكانة الشركة في المنافسة على برامج الغواصات المستقبلية، في وقت يشهد فيه قطاع بناء الغواصات التقليدية نموًا متسارعًا نتيجة اتجاه العديد من الدول إلى تحديث أساطيلها البحرية وتعزيز قدراتها تحت سطح البحر في بيئة أمنية تتسم بتزايد المنافسة البحرية على المستوى العالمي.