أخبار: اليابان تخطط لتطوير صاروخ فرط صوتي يُطلق من الغواصات لتعزيز قدرة الردع

تخطط اليابان لبدء تطوير صاروخ فرط صوتي يُطلق من الغواصات ضمن برنامجها الدفاعي للسنة المالية 2027، في خطوة تمثل تحولًا مهمًا في توجه طوكيو نحو بناء قدرات هجومية بعيدة المدى أكثر قدرة على البقاء وأصعب في الاكتشاف والتعقب. ويأتي المشروع في إطار التوسع الياباني في قدرات الضربة المضادة، مع سعي وزارة الدفاع اليابانية إلى الجمع بين تقنيات الأسلحة الفرط صوتية ومنصات الإطلاق البحرية المخفية تحت سطح البحر.

وبحسب تقارير نقلتها Kyodo News ووكالة TASS في 19 أغسطس 2026، تعتزم وزارة الدفاع اليابانية إدراج تطوير هذا السلاح ضمن خطط السنة المالية 2027، التي تبدأ في أبريل 2027. ولم تكشف التقارير المتاحة حتى الآن عن مدى الصاروخ أو نوع محركه أو تصميمه الإيروديناميكي أو نوع الرأس الحربي أو آلية الإطلاق أو الغواصات التي ستتولى حمله، ما يعني أن المشروع لا يزال في مرحلة التطوير المبكرة، ولا يمثل قدرة عملياتية دخلت الخدمة اليابانية.

وتكمن أهمية المشروع في الجمع بين ميزتين عسكريتين مختلفتين؛ الأولى هي السرعة العالية والقدرة المحتملة للسلاح الفرط صوتي على تقليص زمن استجابة الخصم، والثانية هي قدرة الغواصة على البقاء مخفية تحت سطح البحر والتحرك دون الكشف عن موقعها بصورة مستمرة. وإذا نجحت اليابان في دمج هاتين الميزتين ضمن منظومة واحدة، فإنها ستحصل على منصة إطلاق يمكن أن تظهر من اتجاهات غير متوقعة، وتنفذ ضربة بعيدة المدى دون أن يكون موقع الإطلاق معروفًا مسبقًا للخصم.

ولا تبدأ اليابان هذا المسار من نقطة الصفر، إذ تعمل منذ سنوات على تطوير قدرات إطلاق صواريخ بعيدة المدى من الغواصات. ففي عام 2023، تعاقدت وزارة الدفاع اليابانية مع Mitsubishi Heavy Industries لتطوير صاروخ موجّه يُطلق من الغواصات، بالتوازي مع برنامج منفصل لتطوير صاروخ فرط صوتي محلي، يستمر العمل عليه حتى السنة المالية 2031. ولا تعني هذه البرامج بالضرورة أن الصاروخ الجديد المقرر تطويره في السنة المالية 2027 سيكون امتدادًا تقنيًا مباشرًا لها، لكنها تؤكد أن الجمع بين قدرات الإطلاق من الغواصات وتقنيات الأسلحة الفرط صوتية أصبح جزءًا من مسار تطوير القوة اليابانية.

وتتزامن هذه الخطوة مع تطوير اليابان لأنظمة إطلاق عمودية VLS مخصصة للغواصات المستقبلية، بما يفتح المجال أمام استخدام هذه المنصات لحمل صواريخ بعيدة المدى بدل اقتصار تسليحها على الطوربيدات والأسلحة التقليدية المرتبطة بالقتال تحت سطح البحر. ويشير هذا الاتجاه إلى تحول تدريجي في مفهوم الغواصة اليابانية من منصة مخصصة أساسًا لمكافحة الغواصات والسفن إلى منصة يمكن أن تؤدي أيضًا دورًا في الضربات بعيدة المدى.

ويحمل هذا التحول أهمية خاصة بالنسبة إلى اليابان بسبب طبيعة البيئة الجغرافية والاستراتيجية للمحيطين الهندي والهادئ. فالمساحات البحرية الواسعة تمنح الغواصات مجالًا كبيرًا للمناورة وإخفاء مواقعها، بينما تفرض في الوقت نفسه على أي خصم يمتلك القدرة على مواجهة هذه المنصات تخصيص موارد كبيرة للاستطلاع البحري والحرب المضادة للغواصات.

وهنا تظهر إحدى أهم المزايا الاستراتيجية المحتملة للصاروخ الجديد. فقبل إطلاق الصاروخ، سيكون على الخصم أولًا تحديد موقع الغواصة التي تحمله، وهي مهمة مختلفة جذريًا عن مراقبة قاعدة برية ثابتة أو سفينة سطحية يمكن تتبعها بواسطة الأقمار الصناعية والطائرات والاستطلاع الإلكتروني. وبالتالي، فإن إضافة قدرة هجومية بعيدة المدى إلى غواصة يمكن أن ترفع مستوى قابلية بقاء القوة الضاربة اليابانية في حال اندلاع نزاع واسع.

وإذا افترضنا أن الغواصة تمكنت من الحفاظ على التخفي والتحرك في منطقة عمليات مناسبة، فإن تحديد موقعها قبل تنفيذ الضربة سيصبح تحديًا بحد ذاته. وبعد إطلاق الصاروخ، ينتقل العبء الدفاعي إلى مرحلة ثانية تتمثل في اكتشاف السلاح وتعقبه ومحاولة اعتراضه خلال فترة زمنية محدودة. وبذلك يمكن أن يواجه الخصم تحديين متتاليين: العثور على منصة الإطلاق أولًا، ثم التصدي للسلاح بعد إطلاقه.

وهذا هو الجانب الذي يمنح المشروع قيمة تتجاوز مجرد إضافة صاروخ جديد إلى ترسانة اليابان. فالغواصة قد توفر ما يمكن وصفه بـ«ميزة البقاء»، بينما توفر السرعة العالية للصاروخ إمكانية تقليص زمن الإنذار المتاح أمام الخصم. ومع ذلك، من المهم التأكيد أن مدى هذه الميزة سيعتمد على التصميم النهائي للصاروخ وقدراته الفعلية، وهي معلومات لم تعلنها اليابان حتى الآن.

كما أن القيمة العملياتية للصاروخ لن تعتمد على سرعته وحدها، وإنما على قدرة اليابان على بناء سلسلة استهداف متكاملة تربط بين أجهزة الاستشعار ومراكز القيادة ومنصة الإطلاق. فالغواصة يمكن أن تكون مخفية، لكنها تحتاج إلى معلومات دقيقة عن موقع الهدف وتوقيته ومساره إذا كانت ستستخدم صاروخًا بعيد المدى ضد هدف متحرك أو عالي القيمة.

وتعمل اليابان بالفعل على تعزيز هذه القدرات من خلال تطوير وظائف الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاستهداف ISR، إلى جانب الاستثمار في قدرات الاستطلاع الفضائي والطائرات المسيّرة بعيدة المدى القادرة على اكتشاف السفن السطحية وتوفير معلومات يمكن استخدامها في عمليات الضرب بعيدة المدى. ويعني ذلك أن الصاروخ الفرط صوتي المحتمل يمكن أن يصبح جزءًا من شبكة أوسع بدل أن يعمل كسلاح مستقل.

وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة عند التعامل مع الأهداف البحرية المتحركة. فإطلاق صاروخ بعيد المدى ضد سفينة حربية لا يعتمد فقط على معرفة موقعها في لحظة معينة، وإنما يتطلب تحديثًا مستمرًا للمعلومات وتحديد موقع الهدف بدقة كافية خلال الفترة التي تسبق الإطلاق وحتى وصول الصاروخ إلى منطقة الاشتباك. أما ضد الأهداف الثابتة، فإن عملية الاستهداف يمكن أن تكون أبسط نسبيًا، إذ يمكن استخدام إحداثيات معدة مسبقًا، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى شبكة قيادة وسيطرة واتصالات آمنة لضمان وصول أوامر الاشتباك والبيانات المطلوبة إلى الغواصة.

ومن الناحية الاستراتيجية، يتزامن المشروع الياباني مع توسع الصين في قدراتها الصاروخية والبحرية، بما في ذلك تطوير صواريخ بعيدة المدى وأسلحة فرط صوتية ومنظومات قادرة على تهديد القوات البحرية والقواعد والمنشآت في نطاق واسع من غرب المحيط الهادئ. ولذلك فإن تطوير قدرة يابانية على إطلاق أسلحة بعيدة المدى من منصات مخفية تحت سطح البحر يمثل محاولة لزيادة صعوبة استهداف القوة اليابانية في مرحلة مبكرة من أي نزاع.

ويأتي ذلك في سياق التحول الأوسع في العقيدة الدفاعية اليابانية، التي بدأت تمنح قدرات الضربة المضادة بعيدة المدى مساحة أكبر مما كانت عليه في العقود السابقة. وتؤكد وزارة الدفاع اليابانية أن هذه القدرات تظل مرتبطة بالإطار القانوني الياباني للدفاع عن النفس، وأن الضربات الاستباقية قبل وقوع هجوم مسلح لا تزال غير مسموح بها وفق السياسة الرسمية.