أخبار: بولندا توقع صفقة تاريخية لشراء ثلاث غواصات A26 سويدية

وقعت بولندا عقداً مع شركة Saab السويدية لشراء ثلاث غواصات هجومية من طراز A26 بقيمة تبلغ نحو 4.8 مليار دولار، ضمن برنامج Orka لتحديث أسطول الغواصات البولندي. وتشمل الصفقة حزمة تسليح متكاملة وبرامج تدريب ودعم فني، إلى جانب ترتيبات تعاون صناعي وصيانة محلية، بما يعزز القدرات البحرية البولندية في بحر البلطيق ويعمق الشراكة الدفاعية بين وارسو وستوكهولم.

في واحدة من أكبر صفقات التسليح البحري في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وقعت بولندا رسمياً عقداً مع شركة Saab السويدية لتوريد ثلاث غواصات هجومية من طراز A26، بقيمة تبلغ نحو 47 مليار كرونة سويدية (4.8 مليار دولار)، وذلك ضمن برنامج Orka الهادف إلى إعادة بناء قدرات البحرية البولندية تحت سطح البحر. وجرى توقيع الاتفاق خلال مراسم رسمية في مدينة غدينيا الساحلية بحضور رئيس الوزراء البولندي Donald Tusk ونظيره السويدي Ulf Kristersson، في خطوة وصفتها الحكومتان بأنها تمثل مرحلة جديدة في التعاون الدفاعي بين البلدين.

وبموجب العقد، ستزود Saab البحرية البولندية بثلاث غواصات من الجيل الخامس A26، إلى جانب حزمة متكاملة تشمل الأسلحة، والتدريب، والدعم الفني، والخدمات اللوجستية، فيما ستستمر عمليات التسليم بصورة تدريجية حتى عام 2038، على أن تدخل أول غواصة الخدمة اعتباراً من عام 2031. ويهدف البرنامج إلى إحلال الغواصات الجديدة محل القدرات المتقادمة للبحرية البولندية، التي تعتمد حالياً بصورة رئيسية على الغواصة ORP Orzeł السوفيتية الصنع، والتي دخلت الخدمة عام 1986.

ولتفادي حدوث فجوة عملياتية حتى بدء تسليم الغواصات الجديدة، اتفقت السويد مع بولندا على إعارة الغواصة HMS Södermanland بعد تحديثها، لتدخل الخدمة لدى البحرية البولندية اعتباراً من العام المقبل، بما يتيح تدريب الأطقم البولندية والحفاظ على خبراتها في تشغيل الغواصات حتى وصول غواصات A26 الجديدة. كما ستشارك بولندا في برامج الاختبارات والتجارب الخاصة بالغواصات السويدية الجديدة، الأمر الذي سيسهم في تسريع جاهزية الأطقم والمنظومة التشغيلية قبل دخول الغواصات الخدمة الفعلية.

وتعد غواصات A26 من أحدث الغواصات التقليدية التي تطورها Saab، وقد صممت خصيصاً للعمل في البيئات البحرية المعقدة مثل بحر البلطيق، حيث تتميز المياه بضحالتها وكثرة العوائق وتداخل الأنشطة البحرية. وتعتمد الغواصة على منظومة دفع مستقلة عن الهواء Air Independent Propulsion (AIP)، التي تتيح لها البقاء لفترات طويلة تحت سطح البحر مع خفض البصمة الصوتية بصورة كبيرة، بما يعزز قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية، ومكافحة السفن والغواصات، وزرع الألغام البحرية، ودعم قوات العمليات الخاصة.

كما تتميز الغواصات بتصميم مرن يضم ما يعرف باسم Multi Mission Portal، وهو منفذ متعدد المهام يسمح بإطلاق المركبات غير المأهولة تحت الماء، أو نشر أفراد القوات الخاصة، أو تنفيذ عمليات خاصة تحت سطح البحر، الأمر الذي يمنحها قدرات عملياتية تتجاوز مهام الغواصات التقليدية، ويجعلها منصة متعددة الأدوار تتوافق مع متطلبات الحروب البحرية الحديثة.

ولا تقتصر الصفقة على توريد الغواصات فقط، بل تتضمن أيضاً برنامجاً واسعاً للتعاون الصناعي بين البلدين. فقد أكدت Saab التزامها بإنشاء قدرات محلية للصيانة والإصلاح والعمرة MRO داخل بولندا بالتعاون مع الشركات الوطنية، بما يضمن دعم الغواصات طوال دورة حياتها التشغيلية ويعزز الاستقلالية اللوجستية للبحرية البولندية. كما يشمل الاتفاق تبادل الخبرات الصناعية والتكنولوجية، إلى جانب شراء السويد سفينة إنقاذ غواصات يتم بناؤها في أحواض السفن البولندية، وهو ما يمنح الاتفاق بعداً اقتصادياً وصناعياً يتجاوز مجرد توريد المعدات العسكرية.

ويأتي توقيع العقد بعد منافسة دولية استمرت عدة سنوات ضمن برنامج Orka، شاركت فيها عروض من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية، قبل أن تختار وارسو العرض السويدي في نوفمبر 2025، استناداً إلى ملاءمة تصميم A26 لبيئة بحر البلطيق، إضافة إلى ما وفره العرض من حزمة تعاون صناعي ونقل خبرات طويلة الأجل.

تمثل الصفقة أكبر عقد في تاريخ Saab بقطاع الغواصات، إذ توفر للشركة برنامج إنتاج يمتد لأكثر من عقد، مع تعزيز مكانتها كأحد أبرز مصنعي الغواصات التقليدية في أوروبا. كما تمنح الصناعة الدفاعية البولندية دوراً أكبر في أعمال الصيانة والدعم الفني، وتفتح الباب أمام شراكات مستقبلية في مجالات بناء السفن والأنظمة البحرية، بما يتماشى مع سياسة وارسو الرامية إلى تعظيم المحتوى المحلي في برامج التسلح الكبرى.

وتمثل الصفقة تحولاً مهماً في ميزان القوى البحرية داخل بحر البلطيق، إذ تستعيد بولندا للمرة الأولى منذ سنوات قدرة متقدمة على تنفيذ عمليات الحرب تحت سطح البحر، بعد فترة طويلة من الاعتماد على غواصة وحيدة متقادمة. كما تعزز الغواصات الجديدة قدرة وارسو على حماية خطوط الملاحة البحرية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وردع أي تهديدات محتملة في واحدة من أكثر المناطق الأوروبية حساسية من الناحية العسكرية.

كما تؤكد الصفقة تصاعد المنافسة الأوروبية في قطاع الغواصات التقليدية، حيث نجحت Saab في التفوق على عروض منافسة من شركات أوروبية وآسيوية كبرى بفضل الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والتعاون الصناعي طويل الأمد. كما تعكس تنامي توجه الدول الأوروبية نحو الاستثمار في القدرات البحرية تحت سطح البحر، في ظل تزايد أهمية بحر البلطيق والبيئة الأمنية المتغيرة في شمال وشرق أوروبا، وهو ما يرجح استمرار نمو الطلب على الغواصات التقليدية المتطورة خلال السنوات المقبلة.