في تحول نوعي يعكس طموحات بكين لتجاوز حدود "سلاسل الجزر الأولى" والتحول إلى قوة بحرية عالمية في المياه الزرقاء، تقوم بكين بحملة واسعة النطاق ومنظمة لرسم خرائط قاع المحيطات في مناطق حيوية تشمل المحيطين الهادئ والهندي، وحتى القطب الشمالي. هذه التحركات، التي تتم تحت غطاء الأبحاث العلمية المدنية، تمثل في جوهرها حجر الزاوية في استعدادات People's Liberation Army Navy (PLAN) لمواجهة محتملة مع الولايات المتحدة وحلفائها في أعماق البحار، حيث لم يعد الصراع يقتصر على السطح، بل انتقل إلى بيئة معقدة تتطلب معرفة دقيقة بتضاريس القاع وخصائص المياه.
تعتمد الاستراتيجية الصينية على مفهوم طموح يُعرف باسم Transparent Ocean، وهو مشروع يهدف إلى جعل مياه المحيطات "شفافة" أمام القوات الصينية بينما تظل "معتمة" أمام الخصوم. تقود هذه الجهود سفن أبحاث متطورة مثل Dong Fang Hong 3، التابعة لجامعة المحيطات الصينية، والتي رُصدت وهي تقوم بمهام مسح دقيق في مناطق بالغة الحساسية بالقرب من Guam وHawaii، وهما من أهم القواعد الاستراتيجية للبحرية الأمريكية في منطقة الإندو باسيفيك.
لا تقتصر هذه المهام على رسم التضاريس فحسب، بل تمتد لجمع بيانات "الهيدروغرافية" (Hydrographic Data) التي تشمل مستويات الملوحة، ودرجات الحرارة، وتيارات المحيط. في عالم الغواصات، تُعد هذه البيانات حاسمة؛ فهي تحدد كيفية انتقال الموجات الصوتية تحت الماء، مما يؤثر بشكل مباشر على كفاءة أجهزة السونار (Sonar). من خلال فهم هذه المتغيرات، تستطيع غواصات Type 094 (Jin-class) وType 096 الصينية التخفي في "مناطق الظل" الصوتي، بينما تتمكن منظومات الاستشعار الصينية من رصد الغواصات الأمريكية من طراز Virginia-class وOhio-class بدقة أكبر.
تشير تفاصيل العمليات الصينية إلى تركيز استراتيجي على الممرات التي تسلكها الغواصات النووية الأمريكية. المسوحات التي أجريت حول Guam تهدف بوضوح إلى رصد مسارات الخروج والدخول للغواصات المتمركزة هناك. كما رصدت التقارير نشاطاً صينياً مكثفاً حول Christmas Island الأسترالية وفي المحيط الهندي، حيث تسعى بكين لتأمين طرق إمدادات الطاقة الخاصة بها وحماية غواصاتها التي تجوب المنطقة.
أما في القطب الشمالي، فإن رسم خرائط القاع يخدم طموح بكين في أن تصبح "قوة قطبية"، حيث توفر تضاريس القطب الشمالي والغطاء الجليدي بيئة مثالية لاختباء الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية (SSBNs). هذا التوسع الجغرافي يعني أن الصين لم تعد تكتفي بالدفاع عن سواحلها، بل تستعد لفرض نفوذها في مناطق كانت تاريخياً حكراً على التفوق الغربي.
تكمن الدلالة الاستراتيجية لهذه التحركات في محاولة الصين كسر التفوق النوعي الذي تمتلكه الولايات المتحدة منذ عقود في مجال الحرب تحت المائية (Undersea Warfare). لسنوات طويلة، كانت الغواصات الأمريكية تُعتبر "سيدة الصمت" والطرف الأقوى في أي مواجهة بحرية بفضل تفوق تكنولوجيا التخفي والخرائط التفصيلية التي تمتلكها واشنطن.
اليوم، تقوم بكين بتطبيق استراتيجية "الاندماج العسكري المدني" (Civil-Military Fusion)؛ حيث تُستخدم سفن الصيد والأبحاث والتعدين في أعماق البحار كأدوات استطلاع متقدمة. هذا يعني أن أي صراع مستقبلي في مضيق تايوان أو بحر الصين الجنوبي لن يعتمد فقط على عدد السفن أو الصواريخ، بل سيعتمد على "السيادة المعلوماتية" في الأعماق. إن امتلاك الصين لخرائط أدق للقاع يمنحها القدرة على وضع شبكات استشعار دائمة (مثل مشروع Great Underwater Wall)، وهي مصفوفات من السونار تحت الماء يمكنها تتبع حركة أي جسم غريب في الوقت الفعلي.
إن ما تقوم به الصين اليوم ليس مجرد بحث علمي، بل هو إعادة هندسة لساحة المعركة المستقبلية. من خلال رسم خرائط قاع المحيطات، تسعى بكين إلى تجريد الولايات المتحدة من ميزتها الاستراتيجية الأخيرة في المحيط الهادئ وهي "القدرة على العمل في الخفاء". إذا نجحت الصين في جعل المحيطات "شفافة" أمام قواتها، فإن موازين القوى البحرية ستتغير بشكل لا يمكن الرجوع عنه، مما يجعل العقد الحالي هو "عقد الصراع على الأعماق" بامتياز. انسيابية هذه الفقرات وتماسكها تعكس واقعاً جيوسياسياً جديداً، حيث القوة لا تُقاس فقط بما نراه على السطح، بل بما نعرفه عما يقع في أعمق نقطة في قاع المحيط.