أخبار: ماليزيا تستعد لاستلام منظومات Naval Strike Missile من شركة Kongsberg

في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى البحرية في واحدة من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، أعلنت وزارة الدفاع الماليزية عن جدول زمني محدد لاستلام وتفعيل منظومات الصواريخ الدفاعية المتطورة Naval Strike Missile (NSM)، التي تنتجها شركة Kongsberg Defence & Aerospace النرويجية. وأكد وزير الدفاع المالزي، Datuk Seri Mohamed Khaled Nordin، في بيان رسمي، أن البحرية الملكية الماليزية (Royal Malaysian Navy - RMN) ستبدأ في استلام الدفعات الأولى من هذه الصواريخ في شهر مارس المقبل، مما يمثل تدشيناً فعلياً لعصر جديد من القدرات الهجومية والردعية للمملكة.

تأتي هذه الصفقة ضمن خطة التحديث الشاملة المعروفة ببرنامج "15 إلى 5" (15-to-5 Transformation Programme)، الرامي إلى تقليص فئات السفن وتحديث تسليحها بأنظمة جيل خامس. وتهدف ماليزيا من خلال هذا الاستحواذ إلى استبدال صواريخ Exocet MM40 Block 2 التي تجاوز عمرها التشغيلي 29 عاماً، بمنظومات NSM التي تعد المعيار الذهبي الحالي في الصواريخ المضادة للسفن للهجمات البرية والبحرية.

يمثل صاروخ Naval Strike Missile (NSM) تحفة هندسية من شركة Kongsberg، حيث صُمم ليكون صاروخاً جوالاً (Cruise Missile) يتميز بقدرات تخفي (Stealth) فائقة تجعل من الصعب رصده بواسطة الرادارات المعادية. يزن الصاروخ حوالي 407 كيلوغرامات، ويصل مداه العملياتي إلى أكثر من 200 كيلومتر (110 أميال بحرية)، مع سرعة عالية دون صوتية (High Subsonic) تسمح له بالمناورة الحادة في المرحلة النهائية من الطيران.

ما يميز NSM تقنياً هو اعتماده الكلي على "المستشعرات السلبية" (Passive Sensors)؛ فهو لا يصدر أي إشارات رادارية قد تكشف موقعه، بل يعتمد على باحث حراري متطور (Imaging Infra-Red - IIR) وتقنية "التعرف الذاتي على الأهداف" (Autonomous Target Recognition - ATR). هذه التقنية تسمح للصاروخ ليس فقط بضرب السفينة، بل باختيار "نقطة الضعف" المحددة في هيكلها لضمان التدمير الكامل. كما يتميز بقدرته على الطيران بنمط "كشط الأمواج" (Sea-skimming) على ارتفاعات منخفضة جداً، مما يجعله شبحياً في مواجهة أنظمة الدفاع الجوي المدمجة.

تحمل هذه الصفقة دلالات جيوسياسية عميقة؛ فماليزيا، التي تجد نفسها في قلب التوترات المتصاعدة في بحر الصين الجنوبي، تسعى من خلال Naval Strike Missile إلى فرض سياسة "منع الوصول والحرمان من المنطقة" (Anti-Access/Area Denial - A2/AD). إن دمج هذه الصواريخ على سفن من فئة Lekiu-class فريد من نوعه، وتحديداً الفرقاطة KD Jebat، وكذلك التخطيط لتجهيز سفن المهام الساحلية من الدفعة الثانية (LMS Batch 2) التي ستبنيها شركة STM التركية، يحول هذه المنصات الصغيرة نسبياً إلى "قاتلات سفن" قادرة على تهديد قطع بحرية أكبر بكثير.

استراتيجياً، يعكس هذا التوجه رغبة كوالالمبور في حماية مواردها الاقتصادية الضخمة من النفط والغاز في منطقتها الاقتصادية الخالصة. كما أن اختيار سلاح نرويجي-أمريكي (بالتعاون مع Raytheon) يمنح ماليزيا توافقاً تشغيلياً عالياً مع حلفاء المنطقة مثل أستراليا والولايات المتحدة، اللتين تستخدمان نفس المنظومة، مما يعزز من مفهوم "الأمن الجماعي" ويوحد المعايير الدفاعية في مواجهة التحركات البحرية غير التقليدية في المنطقة.

على الصعيد العالمي، تعزز صفقة ماليزيا من مكانة صاروخ NSM كخيار أول للقوات البحرية الحديثة التي تتطلع لاستبدال صواريخ Harpoon المتقادمة. نجاح شركة Kongsberg في تأمين العقد الماليزي، بعد صفقات مماثلة مع بريطانيا، إسبانيا، رومانيا، وأستراليا، يضع الشركة النرويجية في صدارة سوق الصواريخ الجوالة التكتيكية، متفوقة على منافسين أوروبيين وآسيويين.

لقد أحدثت منظومة Naval Strike Missile ثورة في فلسفة "التكلفة مقابل الكفاءة"؛ حيث توفر المنظومة قدرة هجومية مزدوجة (بحرية وبرية) في صاروخ واحد، مما يقلل من الأعباء اللوجستية وتكاليف التدريب. هذا التوسع العالمي دفع بشركات مثل Safran Power Units إلى توقيع اتفاقيات طويلة الأمد لتوريد محركات التوربين النفاث لصالح Kongsberg لتلبية الطلب العالمي المتزايد. كما أن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في تمييز الأهداف يضع معياراً جديداً للصناعات الدفاعية، حيث لم يعد الصاروخ مجرد مقذوف متفجر، بل أصبح "روبوتاً انتحارياً ذكياً" قادراً على العمل في بيئات التشويش الإلكتروني الكثيفة.