أعلنت شركة Shield AI الأمريكية توقيع شراكة استراتيجية مع شركة Thunder Tiger Corp. التايوانية لدمج منظومة الذكاء الاصطناعي القتالي Hivemind ضمن منصات الأنظمة غير المأهولة التايوانية، في خطوة تعكس تسارع التحول نحو الحرب الذاتية التشغيل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وسط تصاعد التوتر العسكري بين تايوان والصين.
ووفقًا لما أعلنته الشركتان، فإن المرحلة الأولى من التعاون ستشمل دمج نظام Hivemind داخل الزوارق غير المأهولة التابعة لعائلة SeaShark التي تنتجها Thunder Tiger، مع تنفيذ عرض عملي حي خلال صيف 2026 لإظهار قدرة الزورق على تنفيذ مهام بحرية ذاتية التشغيل باستخدام “طيار ذكاء اصطناعي” دون الاعتماد الكامل على التحكم البشري المباشر.
ويمثل الاتفاق تطورًا بالغ الأهمية في العقيدة الدفاعية التايوانية، إذ تسعى تايبيه بشكل متسارع إلى بناء شبكة قتالية موزعة من الأنظمة غير المأهولة القادرة على العمل ضمن بيئة قتالية عالية التشويش والتهديد، خصوصًا في سيناريوهات المواجهة البحرية المحتملة داخل مضيق تايوان.
وتُعد Hivemind واحدة من أكثر منصات الذكاء الاصطناعي العسكري تطورًا في الولايات المتحدة حاليًا، حيث طورتها Shield AI لتوفير قدرات “الاستقلالية القتالية” للمنصات الجوية والبحرية والبرية، بما يسمح للأنظمة غير المأهولة باتخاذ قرارات ميدانية ذاتية والتنقل والتنسيق وتنفيذ المهام حتى في حال انقطاع الاتصالات أو فقدان إشارات GPS نتيجة الحرب الإلكترونية أو التشويش المعادي.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت Hivemind إلى أحد أبرز مشاريع الذكاء الاصطناعي العسكري الأمريكي، بعدما استخدمتها Shield AI في تشغيل طائرات قتالية غير مأهولة وأنظمة جوية مستقلة، بما في ذلك اختبارات ضمن برنامج Collaborative Combat Aircraft (CCA) التابع للقوات الجوية الأمريكية، والذي يهدف إلى تطوير “أجنحة قتالية غير مأهولة” ترافق المقاتلات المأهولة مستقبلًا.
لكن الشراكة الجديدة مع Thunder Tiger تنقل المنظومة إلى المجال البحري غير المأهول، وهو مجال يشهد سباقًا عالميًا متسارعًا بعد النجاحات التي حققتها الزوارق المسيّرة الأوكرانية ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود، وما كشفته تلك الحرب من قدرة الأنظمة البحرية غير المأهولة منخفضة التكلفة على تهديد سفن أكبر وأكثر تكلفة.
وتُعرف Thunder Tiger بأنها واحدة من أبرز الشركات التايوانية العاملة في قطاع الأنظمة غير المأهولة، حيث تطورت من شركة متخصصة في النماذج اللاسلكية والطائرات الصغيرة إلى لاعب دفاعي رئيسي ضمن برامج تايوان الخاصة بالطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة والانتحارية. كما تعمل الشركة على تطوير عائلة SeaShark من الزوارق غير المأهولة القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم الساحلي ونقل الذخائر والعمليات الانتحارية البحرية.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن بعض نسخ SeaShark 800 يمكنها حمل شحنات قتالية تتجاوز 1000 كيلوجرام مع مدى عملياتي يصل إلى نحو 500 كيلومتر، ما يمنحها قدرة محتملة على تنفيذ عمليات هجومية بعيدة نسبيًا ضد السفن أو الموانئ أو التشكيلات البحرية المعادية.
ووفقًا للتفاصيل المعلنة، فإن التعاون بين الشركتين لن يقتصر على منصة واحدة فقط، بل يتضمن خطة تدريجية تشمل اختبارات محاكاة رقمية، ودمج برمجي وميداني، وتجارب تشغيل حي متعددة، بهدف تطوير قدرة الأنظمة الجوية والبحرية غير المأهولة على العمل ضمن “سرب قتالي مستقل” قادر على تبادل المعلومات وتنفيذ المهام بشكل جماعي ومنسق.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استراتيجية استثنائية في ظل التغيرات الجارية في العقيدة العسكرية التايوانية، والتي باتت تعتمد بشكل متزايد على مفهوم “الحرب غير المتكافئة” أو ما يُعرف أحيانًا بـ”استراتيجية القنفذ”، الهادفة إلى جعل أي عملية غزو صينية محتملة مكلفة للغاية عبر استخدام أعداد ضخمة من الأنظمة الرخيصة والموزعة مثل الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية والصواريخ الساحلية المتنقلة.
وفي هذا السياق، تسعى تايوان إلى تعويض الفارق الهائل في القوة البحرية التقليدية مع الصين عبر بناء شبكات قتالية موزعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة. وتشير تقارير بحثية إلى أن وزارة الدفاع التايوانية تخطط للحصول على عشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة ومئات أو ربما آلاف الزوارق غير المأهولة خلال السنوات المقبلة.
ومن الناحية العملياتية، فإن دمج Hivemind داخل الزوارق التايوانية يمنح هذه المنصات قدرة أكبر على العمل في بيئة “محرومة اتصالات”، وهي واحدة من أخطر التحديات في أي صراع محتمل مع الصين، حيث يُتوقع أن تعتمد بكين بشكل مكثف على الحرب الإلكترونية والتشويش السيبراني وقطع الاتصالات الفضائية.
وهنا تبرز القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي القتالي؛ فبدل اعتماد كل زورق أو طائرة غير مأهولة على مشغل بشري مباشر، يصبح النظام قادرًا على اتخاذ قرارات تكتيكية ذاتية مثل تجنب العوائق، الحفاظ على التشكيل، تغيير المسار، أو تنفيذ المهمة الأساسية حتى عند فقدان الاتصال بمركز القيادة.
كما أن المشروع يعكس تحولًا عالميًا أوسع نحو “الحرب الخوارزمية”، حيث لم تعد قيمة المنصة العسكرية تُقاس فقط بالهيكل أو التسليح، بل بقدرتها البرمجية والذكاء الاصطناعي الذي يديرها. وفي هذا الإطار، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى تصدير تفوقها البرمجي إلى حلفائها وشركائها الإقليميين بدل الاعتماد فقط على تصدير المنصات التقليدية.
ويحمل الاتفاق أيضًا بعدًا صناعيًا بالغ الأهمية بالنسبة لتايوان، إذ أكدت Shield AI أن الشراكة تهدف إلى دعم الصناعة الدفاعية المحلية التايوانية وتمكينها من تطوير وصيانة وتشغيل أنظمة الاستقلالية القتالية محليًا بالتعاون مع الشركات الوطنية.
وهذا التوجه ينسجم مع السياسة الأمريكية الحالية الرامية إلى بناء شبكات تصنيع دفاعي إقليمي لدى الحلفاء الآسيويين لمواجهة التوسع العسكري الصيني، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي العسكري.
كما يعكس المشروع تصاعد المنافسة العالمية على تقنيات “الأسراب القتالية” متعددة المجالات، حيث تتجه الجيوش الحديثة نحو تشغيل مجموعات ضخمة من الأنظمة الجوية والبحرية والبرية غير المأهولة ضمن شبكة موحدة قادرة على تنفيذ مهام معقدة بتكلفة أقل من المنصات التقليدية.
ويرى محللون أن نجاح التجارب المرتقبة هذا الصيف قد يمثل نقطة تحول رئيسية في تطور القدرات البحرية غير المأهولة التايوانية، خصوصًا إذا أثبتت الأنظمة الجديدة قدرتها على العمل المستقل داخل بيئات بحرية مزدحمة ومعقدة مثل مضيق تايوان.
كما أن دخول Shield AI بقوة إلى السوق التايوانية يعزز مكانة الشركة الأمريكية كأحد أبرز اللاعبين العالميين في قطاع “الاستقلالية العسكرية”، وهو القطاع الذي يُتوقع أن يتحول خلال العقد المقبل إلى أحد أهم ميادين المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.
ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن الشراكة بين Shield AI وThunder Tiger تمثل مؤشرًا واضحًا على أن المواجهة المستقبلية في آسيا قد لا تُحسم فقط عبر حاملات الطائرات أو المقاتلات الشبحية، بل عبر أسراب ضخمة من الأنظمة غير المأهولة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والقادرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية معقدة بسرعة وانتشار وكلفة تشغيلية غير مسبوقة.