أخبار: Navantia UK تكشف عن السفينة ذاتية القيادة LASV75

في مؤشر جديد على التحولات الجذرية التي يشهدها عالم الحروب البحرية، كشفت شركة Navantia UK عن مفهوم سفينة سطحية ذاتية التشغيل جديدة تحمل اسم LASV75 (Large Autonomous Surface Vessel 75)، وهي منصة بحرية غير مأهولة صُممت خصيصاً للعمل ضمن مفهوم «الأسطول الهجين» الذي تتبناه البحرية الملكية البريطانية وعدد متزايد من القوات البحرية الغربية، حيث تعمل السفن المأهولة إلى جانب منصات مستقلة وغير مأهولة ضمن تشكيل قتالي موحد. وتعد السفينة الجديدة واحدة من أكبر المنصات البحرية الذاتية التي كُشف عنها حتى الآن في أوروبا، إذ يبلغ طولها 75 متراً ويصل وزن إزاحتها إلى أكثر من 1000 طن.

وجرى الكشف عن التصميم خلال فعاليات Combined Naval Event 2026 في المملكة المتحدة، حيث قدمت الشركة النموذج باعتباره تصوراً مستقبلياً لقدرات البحرية البريطانية خلال العقود المقبلة. ووفقاً للمعلومات المعلنة، فقد صُممت LASV75 منذ البداية لتعمل دون طاقم بشري على متنها، وليس باعتبارها نسخة معدلة من سفينة مأهولة، وهو ما أتاح للمصممين التخلص من متطلبات الإقامة والدعم اللوجستي الخاصة بالأطقم البحرية واستغلال المساحات الداخلية بالكامل تقريباً لصالح الحمولة والأنظمة القتالية وأجهزة الاستشعار.

وتعتمد المنصة الجديدة على مفهوم المعيارية الكاملة، حيث يمكن تهيئتها لمجموعة واسعة من المهام من خلال تركيب حمولات مختلفة بحسب طبيعة المهمة المطلوبة. وتظهر النماذج والصور الأولية التي نشرتها الشركة إمكانية تزويد السفينة بمنظومات إطلاق عمودي Vertical Launch System (VLS)، إضافة إلى مدافع بحرية وأجهزة استشعار متطورة وحاويات تشغيل للطائرات المسيّرة ومنظومات الحرب الإلكترونية والرادارات البحرية المختلفة. وتمنح هذه المرونة البحرية البريطانية أو أي مستخدم محتمل القدرة على تحويل السفينة من منصة استطلاع ومراقبة إلى منصة ضربات أو مرافقة بحرية أو حرب إلكترونية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

كما تتميز LASV75 بسطح مهام واسع في مؤخرة السفينة يسمح بتركيب حاويات معيارية تتضمن مستشعرات أو مؤثرات قتالية أو معدات دعم عملياتي مختلفة. وتشير الشركة إلى أنها تدرس اعتماد واجهات تشغيل متوافقة مع معايير حلف شمال الأطلسي، بما يسمح بتبادل الحمولات بين الدول الحليفة وتسهيل دمج المنصة داخل التشكيلات البحرية متعددة الجنسيات.

ويبدو أن المشروع يرتبط بصورة وثيقة بالتصور المستقبلي الذي تتبناه البحرية الملكية البريطانية لما يعرف باسم Hybrid Navy أو "البحرية الهجينة". ويقوم هذا المفهوم على تشغيل السفن الحربية التقليدية إلى جانب عدد كبير من المنصات غير المأهولة فوق سطح البحر وتحته وفي المجال الجوي، بما يتيح توسيع نطاق الاستشعار والاشتباك وتقليل المخاطر التي تتعرض لها الأطقم البشرية. وقد أصبحت هذه الفلسفة أحد المحاور الرئيسية في برامج التحديث البحري البريطانية خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد أهمية الأنظمة المستقلة في البيئات البحرية المعقدة مثل شمال الأطلسي.

ومن الناحية العملياتية، ترى Navantia UK أن الحجم الكبير نسبياً للسفينة الجديدة ليس مجرد خيار هندسي، بل ضرورة عسكرية. فالشركة تؤكد أن تحقيق وجود بحري مستمر في مناطق صعبة مثل شمال الأطلسي يتطلب منصة ذات مدى كبير وقدرة عالية على تحمل الظروف الجوية القاسية، وهي متطلبات يصعب تحقيقها بواسطة الزوارق الذاتية الصغيرة المنتشرة حالياً في العديد من البرامج البحرية الغربية. ولهذا جاء تصميم LASV75 ليجمع بين مزايا السفن الكبيرة من حيث الاستدامة والحمولة والقدرة على البقاء في البحر لفترات طويلة، وبين مزايا المنصات الذاتية التي لا تحتاج إلى طاقم بشري دائم.

ويكتسب المشروع أهمية إضافية لأنه يأتي في سياق خطة تحديث واسعة تنفذها Navantia UK بعد استحواذها على أصول Harland & Wolff البريطانية. وقد أعلنت الشركة عن استثمارات تصل إلى 157 مليون جنيه إسترليني لتطوير أحواضها ومنشآتها الصناعية في Appledore وBelfast وArnish وMethil، بهدف تحويلها إلى واحدة من أكثر منظومات بناء السفن تطوراً في أوروبا. وتشمل هذه الاستثمارات إدخال تقنيات التصميم الرقمي المتقدم وخطوط الإنتاج المؤتمتة ضمن رؤية Shipyard 5.0 التي تطبقها المجموعة الإسبانية في منشآتها الحديثة.

وتشير الشركة إلى أن هذه التقنيات الجديدة يمكن أن تخفض زمن تصميم وبناء السفن الكبيرة بنسبة تصل إلى 30% مقارنة بالأساليب التقليدية، وهو عامل بالغ الأهمية في ظل الضغوط المتزايدة على الجيوش الغربية لتسريع وتيرة بناء القدرات البحرية الجديدة. كما أن خفض التكاليف يعد أحد أهم دوافع التوجه نحو السفن الذاتية، إذ تؤكد Navantia أن LASV75 يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة وبتكلفة أقل بكثير من السفن المأهولة ذات القدرات المماثلة.

يعكس ظهور LASV75 تحولاً عالمياً متسارعاً في طبيعة القوة البحرية. فبعد عقود هيمنت فيها المدمرات والفرقاطات التقليدية على التفكير البحري، بدأت القوى الكبرى تتجه نحو بناء شبكات قتالية موزعة تضم عدداً أكبر من المنصات الأصغر والأرخص والأقل اعتماداً على العنصر البشري. ويأتي هذا التحول نتيجة عدة عوامل تشمل التطور السريع في الذكاء الاصطناعي وأنظمة الملاحة الذاتية وارتفاع تكاليف تشغيل السفن المأهولة وتعاظم المخاطر التي تفرضها الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة البحرية.

كما أن المشروع ينسجم مع توجهات مماثلة في الولايات المتحدة وأستراليا وعدد من دول حلف شمال الأطلسي، حيث يجري تطوير سفن سطحية غير مأهولة بأحجام وقدرات مختلفة. إلا أن LASV75 تبرز بكونها تتجه نحو فئة أكبر حجماً وأكثر تسليحاً من معظم النماذج الغربية الحالية، ما يجعلها أقرب إلى مفهوم "السفينة المرافقة الذاتية" القادرة على مرافقة القطع البحرية الرئيسية والمشاركة في العمليات القتالية المباشرة بدلاً من الاكتفاء بأدوار الاستطلاع أو الدعم.

لا تمثل LASV75 مجرد سفينة غير مأهولة جديدة، بل تعكس رؤية متكاملة لمستقبل الحرب البحرية تقوم على الدمج بين الذكاء الاصطناعي والاستقلالية التشغيلية والتسليح المعياري ضمن تشكيلات بحرية هجينة. وإذا انتقلت المنصة من مرحلة المفهوم إلى الإنتاج الفعلي خلال السنوات المقبلة، فقد تصبح واحدة من أبرز النماذج التي تعيد تعريف العلاقة بين السفن المأهولة والمنصات الذاتية في أساطيل القرن الحادي والعشرين، وتفتح الباب أمام جيل جديد من السفن القتالية المصممة للعمل دون وجود بشري مباشر على متنها.