وقعت ألبانيا اتفاقية مع شركة MKE التركية لاقتناء ستة مدافع هاوتزر خفيفة محمولة جوًا من طراز BORAN عيار 105 ملم، إلى جانب كميات من الذخائر، في خطوة تعكس استمرار برنامج تحديث القوات المسلحة الألبانية وتعزيز قدراتها على توفير الإسناد النيراني السريع ضمن متطلبات العمليات الحديثة لحلف شمال الأطلسي. وجاء الإعلان عن الاتفاقية في الخامس من يوليو 2026، قبيل انطلاق قمة حلف الناتو في العاصمة التركية أنقرة، ليحمل أبعادًا عسكرية وسياسية تتجاوز حدود الصفقة نفسها، ويؤكد تنامي دور الصناعات الدفاعية التركية داخل الأسواق الأوروبية ودول الحلف.
وبموجب الاتفاق، ستتولى MKE تزويد القوات المسلحة الألبانية بستة مدافع BORAN مع كمية لم يُكشف عنها من الذخائر، لتصبح ألبانيا ثالث دولة في العالم تتعاقد على هذا النظام بعد بنغلاديش في عام 2024 ومقدونيا الشمالية في عام 2025، كما تصبح ثاني دولة أوروبية وعضوًا في حلف الناتو تدخل هذا المدفع إلى ترسانتها العسكرية. ويؤكد هذا التعاقد النجاح المتواصل للبرنامج التركي في اختراق الأسواق الدولية، بعد أن سجل أول تصدير لمدفع هاوتزر في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة من خلال صفقة بنغلاديش قبل عامين.
ويعد BORAN أحد أبرز مشاريع MKE في مجال المدفعية الخفيفة، حيث طُور بالكامل بالاعتماد على القدرات الصناعية التركية، ودخل الخدمة لدى القوات المسلحة التركية عام 2021 قبل أن يبدأ مساره التصديري. ويتميز المدفع بوزنه الذي يبلغ نحو 1745 كيلوجرامًا شاملاً منظومة إدارة النيران، ما يجعله من أخف مدافع الهاوتزر في فئته، ويتيح نقله جوًا بواسطة مروحيات Sikorsky S-70 Black Hawk وCH-47 Chinook، إضافة إلى إمكانية سحبه بواسطة مركبات تكتيكية خفيفة، وهو ما يمنحه مرونة كبيرة في الانتشار داخل المناطق الجبلية والوعرة التي تشكل جزءًا كبيرًا من التضاريس الألبانية.
ولا تقتصر مزايا BORAN على خفة الوزن وسهولة النقل، بل يمتلك أيضًا منظومة متقدمة لإدارة النيران تعتمد على نظام تحديد المواقع GPS، إضافة إلى منظار بانورامي وحاسوب بالستي ورادار لقياس سرعة المقذوف عند مغادرة الفوهة، وهي تجهيزات تمنحه دقة إصابة مرتفعة وسرعة كبيرة في تنفيذ الرمايات. كما يستطيع المدفع الانتقال من وضع الحركة إلى الجاهزية الكاملة للرمي خلال أقل من دقيقة واحدة، مع إمكانية إطلاق النيران وهو لا يزال على عجلاته، وهو ما يقلل زمن التعرض لنيران العدو ويزيد من فرص البقاء في ساحة المعركة الحديثة التي تعتمد على الاستجابة السريعة والمناورة المستمرة.
ومن أبرز الخصائص التشغيلية للمنظومة قدرتها على إطلاق ست قذائف في الدقيقة خلال الرماية الاعتيادية، بينما يمكنها في الظروف القتالية الطارئة إطلاق 12 قذيفة دقيقة خلال 33 ثانية فقط، وهو رقم تؤكد MKE أنه يمثل أداءً قياسيًا عالميًا ضمن هذه الفئة من المدافع. كما يبلغ مدى الرماية نحو 17 كيلومترًا باستخدام الذخائر القياسية، مع إمكانية زيادته إلى ما يقارب 21 كيلومترًا عند استخدام الذخائر المطورة بعيدة المدى، وهو ما يمنح الوحدات البرية الألبانية قدرة أكبر على تنفيذ الإسناد النيراني السريع دون الحاجة إلى الاعتماد على أنظمة أثقل وأكثر تعقيدًا.
وتنسجم هذه الصفقة مع جهود ألبانيا المستمرة لتطوير قواتها المسلحة ورفع مستوى جاهزيتها بما يتوافق مع معايير حلف الناتو، خاصة في ظل تزايد أهمية منطقة البلقان والجناح الجنوبي الشرقي للحلف في الحسابات الأمنية الأوروبية. فالموقع الجغرافي لألبانيا يمنحها أهمية متزايدة في دعم عمليات الانتشار السريع وتأمين خطوط الإمداد داخل جنوب شرق أوروبا، الأمر الذي يجعل امتلاك منظومات مدفعية خفيفة وعالية الحركة خيارًا مناسبًا لطبيعة المهام التي قد تضطلع بها القوات الألبانية ضمن العمليات المشتركة للحلف.
توفر منظومة BORAN للقوات الألبانية قدرة أكبر على تنفيذ مهام الدفاع عن الحدود والقتال في المناطق الجبلية ودعم وحدات المشاة والقوات الخاصة، حيث تسمح سرعة نقلها بواسطة المروحيات بنشرها في مواقع يصعب الوصول إليها باستخدام المدفعية التقليدية. كما أن سرعة الانتشار وإعادة التموضع تمنحها قدرة أعلى على تفادي نيران المدفعية المضادة والطائرات المسيّرة، وهي عوامل أصبحت من المتطلبات الأساسية في ساحات القتال الحديثة التي تتسم بكثافة الاستطلاع الجوي وسرعة كشف مواقع المدفعية.
وتحمل الصفقة كذلك أبعادًا استراتيجية بالنسبة لتركيا، إذ تؤكد استمرار توسع MKE في الأسواق الأوروبية وتحولها إلى أحد الموردين الرئيسيين للأنظمة المدفعية داخل دول حلف الناتو. فبعد نجاح الشركة في تصدير BORAN إلى بنغلاديش ثم مقدونيا الشمالية، يأتي التعاقد مع ألبانيا ليعزز الثقة الدولية في جودة المنتجات الدفاعية التركية، ويعكس نجاح أنقرة في تحويل استثماراتها طويلة الأمد في الصناعات العسكرية إلى صادرات ذات قيمة استراتيجية. كما أن توقيع الاتفاقية قبيل انعقاد قمة الناتو في أنقرة يمنحها بعدًا سياسيًا، إذ يبرز الدور المتنامي لتركيا باعتبارها شريكًا صناعيًا مهمًا داخل الحلف وليس مجرد مستهلك للتكنولوجيا الدفاعية الغربية.
تؤكد هذه الصفقة استمرار تنامي الطلب على أنظمة المدفعية الخفيفة عالية الحركة، خاصة في أوروبا، حيث دفعت الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا العديد من الجيوش إلى إعادة تقييم احتياجاتها والتركيز على الأنظمة التي تجمع بين سهولة النقل وسرعة الانتشار والدقة العالية. ويبدو أن MKE نجحت في استثمار هذا التحول من خلال تقديم منظومة تنافسية تجمع بين الأداء والتكلفة المقبولة، وهو ما يعزز فرصها للحصول على عقود إضافية خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في الدول التي تبحث عن تحديث قواتها البرية دون تحمل تكاليف أنظمة المدفعية الثقيلة.
إن تعاقد ألبانيا على مدافع BORAN لا يمثل مجرد شراء ست قطع مدفعية، بل يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو بناء قوة برية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة السريعة، بالتوازي مع ترسيخ مكانة تركيا كمصدر متنامٍ للتقنيات العسكرية داخل أوروبا. كما تؤكد الصفقة أن المنافسة في سوق المدفعية لم تعد مقتصرة على الشركات الأمريكية والأوروبية التقليدية، بل أصبحت الصناعات الدفاعية التركية لاعبًا مؤثرًا قادرًا على تقديم حلول حديثة تتوافق مع معايير حلف الناتو وتلبي متطلبات ساحات القتال المستقبلية.