أخبار: إسبانيا تخصص 9.1 مليون يورو لتحديث قدرات الطب العسكري في البيئات القتالية المعقدة

في خطوة تعكس التحول المتسارع داخل العقيدة العسكرية الأوروبية نحو تعزيز الجاهزية اللوجستية والطبية للقوات المسلحة، أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية تخصيص استثمارات جديدة بقيمة 9.1 مليون يورو لتحديث وتجهيز منظومات الطب العسكري الميداني التابعة للجيش الإسباني، ضمن برنامج واسع يهدف إلى رفع قدرة وحدات "Sanidad de Campaña" على العمل في البيئات القتالية عالية الخطورة والظروف التشغيلية المعقدة.

ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد فيه الجيوش الأوروبية مراجعات شاملة لقدراتها الطبية واللوجستية بعد الدروس المستخلصة من الحرب الروسية الأوكرانية، والتي أبرزت أهمية الإخلاء الطبي السريع، والجراحة الميدانية المتقدمة، واستمرارية الرعاية الصحية للقوات في بيئات القتال عالية الكثافة.

العقد الجديد يشمل شراء مجموعة واسعة من المعدات الطبية التكتيكية الحديثة المخصصة للعمل ضمن المستشفيات الميدانية ووحدات الدعم الصحي المتقدمة التابعة للقوات البرية الإسبانية.

وتتضمن قائمة التجهيزات الجديدة أجهزة شفط الإفرازات الجراحية والمحمولة، وأنظمة مراقبة العلامات الحيوية القادرة على العمل في الظروف الليلية والبيئات العملياتية الصعبة، إلى جانب أجهزة تنفس توربينية متنقلة لدعم العمليات الجراحية الميدانية والرعاية التنفسية المتقدمة.

كما يشمل البرنامج اقتناء أجهزة إزالة الرجفان القلبي المزودة بأنظمة مراقبة متطورة، وأجهزة تحليل تخثر الدم المحمولة المستخدمة في إصابات النزيف الحاد داخل ساحات القتال، إضافة إلى أنظمة تدفئة السوائل الوريدية لمنع انخفاض حرارة المصابين أثناء عمليات نقل الدم، فضلاً عن أجهزة Bronchofibroscope الخاصة بفحص وتنظيف المجاري التنفسية في الظروف الطارئة.

ويمثل المشروع جزءاً من خطة أوسع يقودها الجيش الإسباني لتعزيز جاهزية منظومات الدعم الطبي التكتيكي، خصوصاً في إطار التزامات مدريد المتزايدة داخل عمليات حلف الناتو والانتشار الخارجي للقوات الإسبانية في مناطق التوتر الدولية.

ويستهدف البرنامج بشكل مباشر دعم تشكيلات “Role 2E” الطبية الميدانية، وهي المستشفيات العسكرية المتقدمة القابلة للانتشار السريع، والتي توفر قدرات جراحية وتشخيصية وإخلاء طبي متقدمة بالقرب من خطوط العمليات.

وتحظى منظومات “Role 2E” بأهمية متزايدة داخل عقيدة الناتو العسكرية، باعتبارها أحد العناصر الحاسمة في تقليل معدلات الوفيات بين الجنود المصابين خلال الساعات الذهبية الأولى بعد الإصابة، وهي الفترة التي تعتبر الأكثر حساسية في إنقاذ الأرواح داخل البيئات القتالية.

ويأتي الاستثمار الإسباني الجديد في سياق تصاعد الإنفاق الدفاعي الأوروبي بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث دفعت التهديدات الأمنية المتزايدة معظم دول القارة إلى تسريع برامج التحديث العسكري ورفع مستويات الجاهزية العملياتية واللوجستية.

وخلال السنوات الأخيرة، ركزت برامج التسلح الأوروبية بشكل أساسي على شراء الدبابات، وأنظمة الدفاع الجوي، والذخائر، والطائرات المسيّرة، إلا أن الحرب الأوكرانية كشفت أيضاً عن الأهمية الحيوية للطب العسكري والإخلاء الطبي الميداني وقدرة الجيوش على الحفاظ على استدامة العمليات لفترات طويلة.

وأظهرت المعارك الحديثة أن سرعة الاستجابة الطبية باتت عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في الكفاءة القتالية للقوات البرية، خصوصاً مع تزايد استخدام المدفعية الدقيقة والطائرات المسيّرة والذخائر الانتحارية، والتي أدت إلى ارتفاع معدلات الإصابات المعقدة داخل ساحات القتال الحديثة.

ومن هذا المنطلق، تسعى مدريد إلى بناء منظومة دعم صحي عسكري أكثر مرونة وقابلية للانتشار، قادرة على العمل في البيئات المعقدة بما يشمل الظروف الليلية والمناطق ذات البنية التحتية المحدودة أو المهددة بالاستهداف المباشر.

كما يعكس البرنامج توجهاً متزايداً داخل الجيوش الأوروبية نحو دمج التكنولوجيا الطبية الحديثة في الوحدات التكتيكية المتقدمة، بما في ذلك أنظمة المراقبة الرقمية، وأجهزة التنفس المحمولة، والمختبرات القابلة للنقل، وأنظمة الجراحة الميدانية عالية الحركة.

ومن الناحية الصناعية، يفتح المشروع الإسباني الباب أمام شركات الصناعات الطبية الدفاعية الأوروبية لتعزيز حضورها في سوق متنامية تشهد طلباً متزايداً على معدات الطب العسكري التكتيكي والمستشفيات الميدانية القابلة للنشر السريع.

ويُتوقع أن تستفيد شركات أوروبية متخصصة في المعدات الطبية العسكرية من العقود المرتبطة بالبرنامج، خاصة مع اتجاه دول الناتو إلى رفع مخزوناتها من التجهيزات الطبية الميدانية ضمن خطط الاستعداد للحروب التقليدية واسعة النطاق.

كما يرتبط المشروع الإسباني بمسار أوسع لتطوير البنية اللوجستية العسكرية للقوات المسلحة الإسبانية، والتي تعمل خلال السنوات الأخيرة على تحديث قدرات النقل والإمداد والدعم العملياتي بما يتوافق مع معايير الناتو الحديثة.

وفي هذا السياق، تؤكد مدريد بصورة متزايدة التزامها برفع الإنفاق الدفاعي وتعزيز الجاهزية القتالية للقوات المسلحة، خاصة في ظل الضغوط المتصاعدة داخل الحلف الأطلسي لرفع القدرات العسكرية الأوروبية وتقليل الاعتماد الأمني الكامل على الولايات المتحدة.

ويرى مراقبون أن الاستثمار في الطب العسكري الميداني لم يعد يُنظر إليه كملف دعم ثانوي داخل الجيوش الحديثة، بل تحول إلى أحد المكونات الأساسية لعقيدة “الاستدامة القتالية”، خصوصاً في الحروب الممتدة التي تعتمد على الانتشار السريع والعمل في بيئات متغيرة وشديدة الخطورة.

كما أن التطورات المتسارعة في مجال الطائرات المسيّرة والذخائر الدقيقة دفعت الجيوش الغربية إلى إعادة تقييم قدرة منشآتها الطبية العسكرية على الصمود والعمل تحت التهديد المباشر، بما في ذلك القدرة على تشغيل مستشفيات ميدانية متنقلة وقابلة لإعادة التمركز السريع.

ومن الناحية الاستراتيجية، يعكس التحرك الإسباني إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن الحروب الحديثة لن تُحسم فقط بالتفوق الناري أو التكنولوجي، وإنما أيضاً بقدرة الجيوش على الحفاظ على جاهزية العنصر البشري وتقليل الخسائر واستعادة القوات المصابة إلى الخدمة بأسرع وقت ممكن.

كما أن توسع الإنفاق الأوروبي في قطاعات الدعم الطبي العسكري قد يؤدي خلال السنوات المقبلة إلى نمو ملحوظ في سوق الصناعات المرتبطة بالطب التكتيكي العسكري، بما يشمل أجهزة الإخلاء الطبي، وأنظمة العناية المركزة الميدانية، وتقنيات الجراحة المحمولة، وأنظمة الدعم الحيوي الذكية.

وفي ظل البيئة الأمنية المتوترة التي تشهدها أوروبا حالياً، يبدو أن مدريد تسعى من خلال هذا البرنامج إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أن تحديث الجيوش الحديثة لا يقتصر فقط على شراء الأسلحة الثقيلة، بل يشمل أيضاً بناء منظومات دعم متكاملة قادرة على الحفاظ على فعالية القوات المسلحة في أصعب الظروف القتالية وأكثرها تعقيداً.