أعلنت إستونيا توقيع اتفاقية جديدة لشراء ثلاث منظومات مدفعية صاروخية إضافية من طراز K239 Chunmoo الكوري الجنوبي، في خطوة تعكس تسارع وتيرة إعادة تشكيل القدرات النارية بعيدة المدى داخل الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وضمن استراتيجية ردع متقدمة موجهة بصورة أساسية نحو البيئة الأمنية المتوترة في منطقة بحر البلطيق. وتأتي الصفقة الجديدة استكمالاً للعقد الموقع نهاية عام 2025، والذي شمل شراء ست منظومات من النظام نفسه، ليرتفع إجمالي ما ستملكه القوات المسلحة الإستونية إلى تسع منظومات متطورة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة يصل مداها إلى 290 كيلومتراً.
وتُعد هذه الخطوة مؤشراً واضحاً على تصاعد الاعتماد الأوروبي على الصناعات الدفاعية الكورية الجنوبية، خصوصاً في قطاع المدفعية الصاروخية والأنظمة الأرضية بعيدة المدى، بعدما أثبتت شركات مثل Hanwha Aerospace قدرتها على توفير أنظمة قتالية حديثة بسرعة تسليم أعلى وتكلفة تشغيلية أقل مقارنة ببعض البدائل الغربية التقليدية.
وبحسب التفاصيل المعلنة، تم توقيع الاتفاق الحكومي بين المركز الإستوني للاستثمارات الدفاعية ECDI ووكالة KOTRA الكورية الجنوبية، فيما أكدت وزارة الدفاع الإستونية أن الصفقة الجديدة تأتي لتعزيز “قدرات الضربات الدقيقة” ورفع جاهزية الجيش الإستوني في مواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة.
تُصنف منظومة K239 Chunmoo ضمن أحدث أنظمة الراجمات الصاروخية متعددة الإطلاق MLRS في العالم، وقد طورتها كوريا الجنوبية لتكون منصة مرنة قادرة على إطلاق أنواع متعددة من الذخائر والصواريخ التكتيكية من العيارين المتوسط والثقيل. وتتميز المنظومة بقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد مراكز القيادة، ومنظومات الدفاع الجوي، ومخازن الذخيرة، والبنية التحتية العسكرية الحيوية على مسافات بعيدة. وتستطيع المنظومة الواحدة حمل حاويتين للإطلاق، مع إمكانية الدمج بين عدة أنواع من الذخائر وفق طبيعة المهمة العملياتية. وتشمل الذخائر التي ستحصل عليها إستونيا:
- صواريخ CGR-080 الموجهة بمدى يتراوح بين 30 و80 كيلومتراً.
- صواريخ CTM-MR متوسطة المدى بمدى يصل إلى 160 كيلومتراً.
- الصاروخ التكتيكي الباليستي CTM-290 القادر على ضرب أهداف على بعد 290 كيلومتراً بدقة عالية.
وتعتمد المنظومة على تقنيات توجيه عبر GPS مدعوم بالملاحة بالقصور الذاتي INS، مع معدل خطأ منخفض نسبياً، ما يمنحه قدرة كبيرة على إصابة الأهداف الحساسة ضمن بيئة قتالية معقدة. كما تتميز المنظومة بسرعة إعادة التذخير والقدرة العالية على الحركة بفضل اعتمادها على شاحنات تكتيكية 8×8، وهو ما يمنحها مرونة كبيرة في تنفيذ تكتيكات “اضرب وتحرك” لتفادي الاستهداف المضاد.
تحمل الصفقة الإستونية الجديدة أبعاداً تتجاوز مجرد تحديث ترسانة الجيش المحلي، إذ تعكس توجهاً أطلسياً أوسع نحو تعزيز قدرات “الردع الناري بعيد المدى” على حدود روسيا الغربية، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من إعادة تقييم شاملة لمفاهيم الدفاع التقليدي في أوروبا الشرقية.
ومن الناحية العملياتية، فإن امتلاك إستونيا لصواريخ بمدى 290 كيلومتراً يمنحها قدرة على تغطية مساحات واسعة من المجال العملياتي في منطقة البلطيق، بما يشمل استهداف مراكز عسكرية وبنى لوجستية ذات أهمية استراتيجية حال اندلاع أي مواجهة واسعة النطاق. كما أن دمج هذه المنظومات مع منظومات M142 HIMARS الأمريكية الموجودة بالفعل في الخدمة الإستونية سيخلق طبقة نارية متعددة المصادر قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ومتزامنة ضد أهداف برية وبحرية.
ويرى مراقبون أن هذا التوسع في قدرات الضربات بعيدة المدى داخل دول البلطيق يندرج ضمن استراتيجية الناتو القائمة على “الردع المتقدم”، والتي تهدف إلى رفع كلفة أي تحرك عسكري روسي محتمل عبر نشر منصات دقيقة بعيدة المدى بالقرب من مناطق التماس الجيوسياسي.
وفي السياق نفسه، تشير تقارير دفاعية إلى أن بعض نسخ ذخائر Chunmoo، مثل CTM-ASBM المضادة للسفن، قد تمنح إستونيا مستقبلاً قدرة على تهديد القطع البحرية الروسية في بحر البلطيق، بما في ذلك أصول أسطول البلطيق الروسي بالقرب من سانت بطرسبرغ.
تعكس الصفقة أيضاً نجاح كوريا الجنوبية في ترسيخ نفسها كأحد أبرز موردي السلاح لأوروبا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات المدفعية الثقيلة والأنظمة الصاروخية والدبابات. فبعد الصفقات الضخمة التي أبرمتها بولندا للحصول على دبابات K2 Black Panther وراجمات Homar-K المشتقة من Chunmoo، إضافة إلى العقود النرويجية والإستونية، أصبحت الصناعات الدفاعية الكورية لاعباً رئيسياً في سوق التسليح الأوروبي، مستفيدة من عاملين أساسيين: سرعة الإنتاج والتسليم، والمرونة في نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.
كما أن إستونيا نفسها ترتبط بالفعل بشراكات دفاعية متنامية مع كوريا الجنوبية، تشمل تشغيل مدافع الهاوتزر ذاتية الحركة K9 Thunder، وهو ما يخلق نوعاً من التكامل اللوجستي والتشغيلي بين الأنظمة الكورية داخل الجيش الإستوني. ومن الناحية الاقتصادية، فإن العقود الدفاعية الكورية في أوروبا تعيد رسم خريطة المنافسة داخل سوق الصناعات العسكرية العالمية، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه شركات السلاح الغربية التقليدية نتيجة بطء سلاسل الإنتاج وارتفاع تكاليف التصنيع بعد الحرب الأوكرانية.
رغم أن إستونيا تُعد من الدول الصغيرة نسبياً من حيث المساحة وعدد السكان، فإن تطويرها لقدرات هجومية بعيدة المدى بهذا المستوى يعكس تحولاً جوهرياً في فلسفة الدفاع لدى دول البلطيق. فبدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة العسكرية الغربية، تتجه هذه الدول نحو امتلاك أدوات ردع مستقلة نسبياً، تسمح لها بإلحاق خسائر مؤثرة بأي خصم محتمل منذ الساعات الأولى لأي نزاع.
كما أن امتلاك صواريخ تكتيكية يصل مداها إلى 290 كيلومتراً يرفع من مستوى التعقيد العملياتي أمام روسيا في منطقة البلطيق، ويجبر موسكو على توزيع مواردها الدفاعية بصورة أوسع لحماية القواعد ومراكز القيادة والبنية اللوجستية الحساسة.
وفي المقابل، من المرجح أن تدفع هذه التطورات سباق التسلح الإقليمي نحو مستويات أعلى، خاصة مع تسارع وتيرة نشر أنظمة الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة الهجومية في شرق أوروبا.
ومع استمرار تصاعد التوتر بين روسيا والناتو، تبدو منظومات مثل K239 Chunmoo مرشحة للعب دور محوري في العقيدة القتالية الأوروبية الجديدة، التي باتت تركز بصورة متزايدة على الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والحرب الشبكية، والقدرة على شل البنية العسكرية للخصم قبل الوصول إلى مرحلة الاشتباك التقليدي المباشر.