في خطوة استباقية تعكس التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، أعلن الجيش البرتغالي عن إطلاق أولى برامجه التدريبية المكثفة على منظومة المدفعية ذاتية الدفع CAESAR 155mm، وذلك تمهيداً لعمليات التسليم المخطط لها مطلع العقد القادم. وتأتي هذه الخطوة لتعزز من جاهزية الأطقم البشرية وتوافق العقيدة العسكرية البرتغالية مع أحدث المعايير التقنية التي تفرضها ساحات القتال الحديثة، خاصة في ظل التحولات الجذرية التي شهدتها مفاهيم "حروب المدفعية" مؤخراً.
تفاصيل المسار التدريبي والصفقة المرتقبة
بدأ جنود من "الفوج الخامس للمدفعية" في البرتغال أولى مراحل الاتصال المباشر والتدريب النظري والعملي على نظام CAESAR (اختصار لـ Camion Équipé d'un Système d'Artillerie). هذا البرنامج لا يهدف فقط إلى تعريف الأطقم بالمنصة، بل يمتد ليشمل دمج مفاهيم القيادة والسيطرة الرقمية التي توفرها شركة KNDS France (المعروفة سابقاً باسم Nexter).
تتطلع لشبونة من خلال هذا المشروع إلى استبدال مدافعها القديمة المقطورة من طراز M114A1 ومدافع M109A5، بنظام أكثر مرونة وفتكاً. ومن المتوقع أن تتسلم البرتغال ما يصل إلى 36 وحدة من طراز CAESAR NG (الجيل الجديد)، وهو الطراز الذي يتميز بهيكل 6x6 ومحرك بقوة 460 حصان، مع كابينة مدرعة توفر حماية فائقة ضد الألغام والعبوات الناسفة والطلقات من العيارات الصغيرة، وهي ميزات تم تطويرها بناءً على الدروس المستفادة من العمليات الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي.
تعد منظومة CAESAR "أيقونة" المدفعية الأوروبية الحديثة، حيث يمكنها إطلاق 6 قذائف في أقل من دقيقة واحدة، مع إمكانية الانسحاب من موقع الإطلاق في غضون ثوانٍ (مبدأ Shoot-and-Scoot) لتجنب النيران المضادة. ويصل مدى قذائفها التقليدية إلى 40 كيلومتراً، بينما يتجاوز 50 كيلومتراً عند استخدام الذخائر الموجهة بدقة أو ذات المدى الممتد، مما يجعلها سلاحاً مثالياً لعمليات الدعم الناري العميق.
تمثل هذه الصفقة والتدريبات المبكرة دلالة هامة على تحول البرتغال من "قوة دفاعية تقليدية" إلى "قوة تدخل سريع" متوافقة تماماً مع معايير حلف الناتو (NATO Interoperability).
تلعب البرتغال دوراً محورياً في تأمين الجناح الجنوبي لأوروبا. وبامتلاكها لمنظومات CAESAR، فإنها تعزز من قدراتها في "مبادرة 5+5 دفاع" التي تضم دولاً من شمال أفريقيا (مثل مصر، تونس، والجزائر، والمغرب) وأوروبا. هذا التفوق التقني يساهم في استقرار الحوض الغربي للمتوسط ومكافحة التهديدات غير التقليدية.
إن اعتماد دول مثل المغرب (التي تمتلك بالفعل نظام CAESAR) والبرتغال على نفس المنصة يخلق نوعاً من التوحيد التكنولوجي في المنطقة، مما يسهل العمليات المشتركة والتدريبات البينية، ويحد من نفوذ الأسلحة غير المتوافقة مع الناتو.
أثبتت منظومة CAESAR في أوكرانيا أنها تتفوق على المدافع المجنزرة الثقيلة في "حرب المناورات". هذا الدرس لم يغب عن صانع القرار في لشبونة، الذي يدرك أن سرعة الحركة هي الضمان الوحيد للبقاء في مواجهة الطائرات بدون طيار الانتحارية (Loitering Munitions) التي باتت تهدد المدفعية التقليدية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.