أخبار: الجزائر وفرنسا تطويان صفحة التوتر: تعاون دفاعي وأمني جديد يعيد تشكيل التوازنات في غرب المتوسط والساحل الإفريقي

في تحول سياسي وأمني لافت يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، أعلنت الجزائر وفرنسا التوصل إلى تفاهمات جديدة لتعزيز التعاون في مجالات الدفاع والأمن الداخلي، بعد أزمة دبلوماسية حادة استمرت قرابة عامين وأدت إلى تراجع غير مسبوق في مستوى التنسيق السياسي والعسكري بين البلدين. ويأتي هذا التقارب في توقيت بالغ الحساسية يشهد تصاعداً للتهديدات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، وتنامي المنافسة الدولية على النفوذ في شمال إفريقيا، فضلاً عن التحولات المتسارعة في معادلات الأمن الأوروبي والمتوسطي.

الانفراجة الجديدة جاءت خلال زيارة أجرتها الوزيرة الفرنسية المنتدبة لدى وزارة القوات المسلحة آليس روفو إلى الجزائر، حيث التقت بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، كما أجرت مباحثات موسعة مع رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول السعيد شنقريحة، بحضور قيادات عسكرية وأمنية رفيعة من الجانبين. ووفق البيانات الرسمية، تناولت اللقاءات ملفات التعاون الدفاعي، والتنسيق الأمني، وقضايا مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إضافة إلى تبادل الرؤى حول التحديات الأمنية الإقليمية والدولية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنظر إلى طبيعة الأزمة التي عصفت بالعلاقات الجزائرية الفرنسية منذ عام 2024، عندما أعلنت باريس دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، وهو الموقف الذي اعتبرته الجزائر انحيازاً مباشراً ضد مصالحها الاستراتيجية وضد جبهة البوليساريو التي تدعمها الجزائر سياسياً وعسكرياً. وقد أدى ذلك إلى استدعاء السفراء وتعليق قنوات الحوار الأمني والسياسي، قبل أن تتفاقم الأزمة لاحقاً بفعل ملفات الهجرة والذاكرة التاريخية وقضايا قضائية وإعلامية حساسة.

لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة بأن استمرار القطيعة الأمنية لم يعد يخدم مصالحهما، خصوصاً في ظل التدهور الأمني المتسارع في منطقة الساحل الإفريقي، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أخطر بؤر الإرهاب وعدم الاستقرار في العالم. وتشير تقديرات دولية حديثة إلى أن أكثر من 51% من الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالمياً خلال عام 2024 وقعت في منطقة الساحل، مع تصاعد نفوذ تنظيمات مثل JNIM وISGS وISWAP، إضافة إلى توسع شبكات التهريب والجريمة المنظمة.

وفي هذا السياق، تبدو الجزائر بالنسبة لفرنسا شريكاً أمنياً لا يمكن تجاوزه، نظراً لقدرات الجيش الجزائري وخبرته الطويلة في مكافحة الإرهاب، إضافة إلى الموقع الجغرافي الحساس للجزائر وحدودها الممتدة مع مالي والنيجر وليبيا، وهي مناطق تشهد نشاطاً مكثفاً للتنظيمات المسلحة والجماعات العابرة للحدود. كما تدرك باريس أن خسارة التنسيق مع الجزائر تعني عملياً تراجع قدرتها على التأثير في المعادلات الأمنية لشمال إفريقيا والساحل، خاصة بعد سلسلة الانتكاسات التي تعرض لها النفوذ الفرنسي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو خلال الأعوام الأخيرة.

ومن الجانب الجزائري، فإن استعادة قنوات التعاون الأمني مع فرنسا لا تعني بالضرورة تغييراً جذرياً في العقيدة السياسية الجزائرية، بقدر ما تعكس براجماتية استراتيجية تهدف إلى إدارة التهديدات الإقليمية المعقدة عبر توسيع هامش التنسيق مع القوى الدولية المؤثرة. فالجزائر تدرك أن تصاعد الفوضى في الساحل يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خاصة مع تزايد حركة الجماعات المسلحة وتنامي نشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، وهو ما يتطلب تبادل معلومات استخباراتية وتنسيقاً أمنياً متعدد المستويات.

كما أن التحركات الفرنسية الأخيرة تجاه الجزائر تعكس تحولاً أوسع في السياسة الإفريقية لباريس، بعد التراجع الكبير لنفوذها التقليدي في مستعمراتها السابقة بغرب إفريقيا. ففرنسا تسعى حالياً إلى إعادة تمركز استراتيجي في القارة الإفريقية عبر بناء شراكات جديدة قائمة على المصالح الأمنية والاقتصادية بدلاً من المقاربات التقليدية المرتبطة بالإرث الاستعماري. ولهذا السبب حرصت باريس على إعادة سفيرها إلى الجزائر بعد أكثر من عام على سحبه، في خطوة حملت رسائل سياسية واضحة بشأن رغبة الإليزيه في استعادة “الحوار الفعال” مع الجزائر.

وعلى المستوى العسكري، ورغم عدم الإعلان عن صفقات تسليح محددة حتى الآن، فإن عودة التنسيق الدفاعي بين البلدين قد تفتح الباب مستقبلاً أمام تعاون أوسع في مجالات التدريب العسكري، والأمن السيبراني، ومراقبة الحدود، والاستخبارات التقنية، وربما الصناعات الدفاعية. كما أن فرنسا قد تسعى إلى استعادة موطئ قدم داخل سوق التسليح الجزائري الذي تهيمن عليه روسيا بصورة كبيرة منذ عقود، خاصة في ظل المتغيرات الدولية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

لكن في المقابل، من غير المرجح أن تتخلى الجزائر عن استراتيجيتها القائمة على تنويع مصادر التسليح والحفاظ على استقلالية القرار العسكري، إذ تواصل الجزائر تطوير علاقاتها الدفاعية مع روسيا والصين وتركيا، بالتوازي مع انفتاح محسوب على بعض الدول الغربية. وتشير تقارير دفاعية حديثة إلى أن الجزائر تواصل تحديث قواتها الجوية والدفاعية في إطار سباق تسلح إقليمي متصاعد مع المغرب، الذي بدوره عزز شراكاته العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأوروبية.

استراتيجياً، يمكن اعتبار التقارب الجزائري الفرنسي محاولة لإعادة بناء معادلة أمنية جديدة في غرب المتوسط، تقوم على إدارة المصالح المشتركة رغم استمرار الخلافات السياسية العميقة، خصوصاً في ملف الصحراء الغربية والذاكرة الاستعمارية. كما أن هذا التقارب قد ينعكس مستقبلاً على توازنات الأمن في الساحل الإفريقي، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على النفوذ داخل القارة بين فرنسا وروسيا والصين وتركيا وقوى إقليمية أخرى.

إن أي عودة للتعاون العسكري بين الجزائر وفرنسا قد تمنح الشركات الدفاعية الفرنسية فرصة لإعادة التمركز داخل أحد أكبر أسواق التسليح في إفريقيا. وتملك شركات مثل Dassault Aviation وNaval Group وThales خبرات وقدرات قد تسعى باريس لتوظيفها مستقبلاً في حال تحسن المناخ السياسي بين البلدين، خصوصاً في مجالات الطيران العسكري والمراقبة الإلكترونية والأنظمة البحرية. كما أن التطورات الحالية قد تشجع شركات أوروبية أخرى على استكشاف فرص أوسع داخل السوق الدفاعية الجزائرية، التي تشهد برامج تحديث متواصلة للقوات المسلحة.

ورغم المؤشرات الإيجابية الحالية، فإن مستقبل هذا التقارب سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على إدارة الملفات الخلافية الحساسة، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية، والهجرة، وملفات الذاكرة التاريخية. غير أن المؤكد حتى الآن أن الجزائر وفرنسا دخلتا مرحلة جديدة من إعادة التموضع الأمني والاستراتيجي، في لحظة تشهد تغيرات عميقة في بنية الأمن الإقليمي والدولي، ما يجعل أي تقارب بينهما ذا تأثير يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى مجمل معادلات الأمن في البحر المتوسط والساحل الإفريقي.