أخبار: القوات البرية التركية تتسلم مركبة PARS İZCİ 8x8 كأول منصة متخصصة لاستطلاع CBRN

في قفزة نوعية تعزز من قدرات الاستجابة للتهديدات غير التقليدية، أعلنت القوات البرية التركية (Turkish Land Forces) رسمياً عن إدخال المركبة المدرعة PARS İZCİ 8x8 إلى الخدمة العملياتية، لتكون أول منصة وطنية مخصصة بالكامل لمهام الاستطلاع والكشف عن التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية (CBRN Reconnaissance). وتأتي هذه الخطوة، التي تم الاحتفاء بها في العاصمة أنقرة بحضور قيادات عسكرية رفيعة وممثلين عن شركة FNSS Defense Systems المصنعة، لتسد ثغرة حيوية في عقيدة الدفاع البري التركي، وتضع أنقرة ضمن قائمة محدودة من الدول التي تمتلك تكنولوجيا متكاملة في هذا المجال الدفاعي المعقد.

تعتبر المركبة PARS İZCİ 8x8، التي طورتها شركة FNSS، ثمرة سنوات من الأبحاث الهندسية الهادفة إلى خلق توازن بين الحماية المدرعة القصوى والمرونة العالية في الحركة. وتعتمد المركبة على هيكل PARS المتطور الذي يتميز بنظام تعليق هيدروليكي مستقل، مما يمنحها قدرة فائقة على المناورة في التضاريس الوعرة والبيئات الملوثة التي تتطلب تدخلاً سريعاً ودقيقاً.

ما يميز هذه النسخة الخاصة بمهام CBRN هو تكاملها مع حزمة متطورة من المستشعرات والأنظمة التحليلية التي تعمل في وقت حقيقي (Real-time). تتضمن المركبة نظاماً داخلياً للضغط الإيجابي للحفاظ على سلامة الطاقم، بالإضافة إلى أجهزة كشف بعيدة المدى (Remote Sensing) قادرة على تحديد السحب الكيميائية أو الإشعاعية من مسافات آمنة. كما زودت شركة FNSS المركبة بذراع آلي (Robotic Arm) خارجي يسمح بجمع عينات من التربة والمياه والمواد الملوثة دون حاجة الطاقم لمغادرة المركبة، مع وجود مختبر داخلي مصغر لتحليل النتائج فوراً ونقلها عبر أنظمة اتصال مشفرة إلى مراكز القيادة والسيطرة عبر نظام C4I المتكامل.

على صعيد الحماية، توفر PARS İZCİ 8x8 حماية باليستية وحماية ضد الألغام والعبوات الناسفة (IEDs) وفق معايير STANAG العالمية، مما يضمن بقاء الطاقم والأنظمة الحساسة في بيئات النزاع العالية الكثافة. وتعمل المركبة بمحرك ديزل عالي الأداء مرتبط بنظام دفع ثماني، مما يتيح لها الوصول إلى سرعات تتجاوز 100 كم/ساعة، مع قدرات برمائية كاملة تتيح لها عبور العوائق المائية دون تحضيرات مسبقة.

يأتي اعتماد القوات البرية التركية لهذه المركبة في توقيت يشهد فيه المحيط الإقليمي لتركيا، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط وشرق أوروبا، تصاعداً في المخاوف من استخدام أسلحة غير تقليدية أو وقوع حوادث صناعية كيميائية ونووية نتيجة النزاعات المسلحة. استراتيجياً، يمنح امتلاك PARS İZCİ 8x8 الجيش التركي قدرة "الإنذار المبكر" و"الاستجابة السريعة"، مما يقلل من احتمالية شلل القوات العسكرية في حال تعرضها لهجوم غير تقليدي.

تعتبر هذه الصفقة رسالة قوية حول "السيادة التكنولوجية" (Technological Sovereignty) التي تنتهجها تركيا؛ فبدلاً من الاعتماد على أنظمة استطلاع أجنبية قد تكون مقيدة بشروط استخدام أو تواجه صعوبات في الصيانة، باتت أنقرة تمتلك منصة محلية بالكامل يمكن تخصيصها وتطويرها وفقاً لمتطلباتها الخاصة. هذا التحول يعزز من مفهوم "الاستقلال الدفاعي" ويجعل القوات البرية التركية أكثر قدرة على تنفيذ عمليات عسكرية معقدة في بيئات ملوثة، وهو ما يرفع من مستوى الردع العام للدولة.

علاوة على ذلك، فإن دمج تقنيات CBRN في مركبة قتالية سريعة مثل PARS İZCİ يعكس تطور الفكر العسكري التركي نحو "الحرب الهجينة"، حيث لم يعد التهديد يقتصر على الصواريخ والمدافع، بل يمتد إلى التهديدات غير المنظورة التي تتطلب دقة هندسية عالية للكشف عنها وتحييد أثرها.

على المستوى العالمي، تضع هذه الخطوة شركة FNSS والصناعة الدفاعية التركية في منافسة مباشرة مع عمالقة الدفاع الأوروبيين والأمريكيين الذين هيمنوا طويلاً على سوق مركبات CBRN، مثل شركة General Dynamics و Rheinmetall. إن نجاح PARS İZCİ 8x8 في الاختبارات الصارمة للقوات البرية التركية يمثل "شهادة كفاءة" دولية تفتح الباب واسعاً أمام فرص التصدير، خاصة للدول الحليفة في حلف الناتو ودول مجلس التعاون الخليجي التي تسعى لتحديث أساطيلها الدفاعية ضد التهديدات غير التقليدية.

سيؤدي ظهور هذه المركبة في السوق العالمي إلى دفع الشركات المنافسة نحو تطوير حلول أكثر تكاملاً وأقل كلفة. فمركبة PARS İZCİ توفر حلاً "شاملاً" (Turnkey Solution) يجمع بين المدرعة القتالية والمختبر الميداني، وهو ما يبحث عنه المخططون العسكريون المعاصرون لتقليل العبء اللوجستي. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة طلباً متزايداً على هذا النوع من المنصات المتخصصة، حيث تعيد الجيوش حول العالم تقييم مخاطر أسلحة الدمار الشامل والحوادث النووية في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

إن دخول PARS İZCİ 8x8 الخدمة ليس مجرد إضافة لمعدات الجيش التركي، بل هو إعلان عن دخول تركيا عصر "الحماية الاستراتيجية الشاملة"، وتأكيد على أن الصناعة الدفاعية المحلية باتت قادرة على ابتكار حلول لأكثر المعضلات العسكرية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.