يعتزم الجيش الهندي المضي قدماً في واحدة من أكبر صفقات المدفعية في تاريخه الحديث عبر شراء 300 مدفع إضافي من طراز K9 Vajra ذاتي الحركة، ضمن برنامج تحديث ضخم تقدر قيمته بنحو 230 مليار روبية هندية، أي ما يعادل حوالي 2.42 مليار دولار أمريكي. وتمثل الصفقة، في حال اعتمادها رسمياً، نقلة نوعية في قدرات المدفعية الهندية وسترفع أسطول هذه المنظومة إلى نحو 500 مدفع، ما يجعلها العمود الفقري لقدرات الضربات البرية بعيدة المدى للجيش الهندي خلال العقود المقبلة.
ووفقاً للمعلومات المتداولة داخل الأوساط الدفاعية الهندية، من المنتظر رفع المقترح إلى مجلس مشتريات الدفاع التابع لوزارة الدفاع الهندية تمهيداً لاعتماده رسمياً. وفي حال الحصول على الموافقات النهائية، يرجح أن يتم منح العقد لشركة Larsen & Toubro (L&T) التي تتولى إنتاج المدفع محلياً بالتعاون مع شركة Hanwha Aerospace الكورية الجنوبية في إطار اتفاق لنقل التكنولوجيا والتصنيع داخل الهند. ويأتي المشروع في سياق سياسة "صنع في الهند" التي أصبحت إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية نيودلهي الدفاعية خلال السنوات الأخيرة.
وتكتسب الصفقة أهمية استثنائية بالنظر إلى حجمها غير المسبوق. فالجيش الهندي يشغل حالياً 100 مدفع من طراز K9 Vajra دخلت الخدمة بعد التعاقد الأول الذي تم توقيعه عام 2017، كما جرى طلب 100 مدفع إضافي خلال عام 2024. ومع إضافة 300 مدفع جديدة، سيصل إجمالي الأسطول إلى نحو 500 منصة مدفعية ذاتية الحركة، وهو رقم يعكس تغيراً جذرياً في رؤية الهند لدور المدفعية في الحروب المستقبلية.
ويستند K9 Vajra إلى المدفع الكوري الجنوبي الشهير K9 Thunder، لكنه خضع لسلسلة من التعديلات لتلبية المتطلبات الهندية الخاصة. وقد جرى تصميمه ليكون قادراً على العمل في البيئات الصحراوية القاسية غرب البلاد وكذلك في المناطق الجبلية المرتفعة على امتداد الحدود الشمالية مع الصين. وتبلغ كتلة المنظومة نحو 50 طناً، فيما تعتمد على محرك بقوة ألف حصان يمنحها سرعة تصل إلى 67 كيلومتراً في الساعة ومدى عملياتياً يتجاوز 360 كيلومتراً.
ويحمل المدفع الرئيسي عيار 155 ملم بطول سبطانة 52 عياراً، وهو قادر على إطلاق الذخائر شديدة الانفجار والذخائر الموجهة بدقة إلى مسافات تصل إلى 50 كيلومتراً باستخدام أنواع الذخائر الحديثة. كما يتمتع بمعدل نيران مرتفع يسمح بإطلاق ثلاث قذائف خلال 15 ثانية فقط، مع القدرة على المحافظة على معدل يصل إلى ثماني قذائف في الدقيقة خلال فترات الاشتباك المكثف، وهو ما يمنحه قدرة كبيرة على تنفيذ الضربات المركزة والسريعة قبل الانتقال إلى موقع جديد لتجنب نيران المدفعية المعادية.
ولا يمكن فهم هذا التوسع الضخم بعيداً عن البيئة الأمنية التي تواجهها الهند. فمنذ الاشتباكات الحدودية التي وقعت مع الصين في منطقة لاداخ خلال السنوات الماضية، باتت نيودلهي تنظر إلى المدفعية بعيدة المدى باعتبارها أحد أهم أدوات الردع على الجبهات البرية. وقد أثبتت منظومات K9 Vajra خلال عمليات الانتشار في المناطق الجبلية المرتفعة قدرتها على العمل في ظروف مناخية قاسية كانت تمثل تحدياً كبيراً للعديد من الأنظمة التقليدية. وأدى نجاح تلك التجارب العملياتية إلى زيادة ثقة الجيش الهندي في المنظومة ودفعه نحو توسيع حجم الأسطول بصورة غير مسبوقة.
وفي الوقت ذاته، تستمر الحدود الغربية مع باكستان في فرض متطلبات عسكرية مختلفة تتعلق بسرعة المناورة وكثافة النيران. ولذلك تسعى الهند إلى امتلاك قوة مدفعية كبيرة قادرة على تغطية مسارح عمليات متنوعة تمتد من الصحاري المفتوحة في راجستان إلى المرتفعات الجبلية في الهيمالايا. ويمنح K9 Vajra الجيش الهندي مرونة تشغيلية واسعة تسمح باستخدام المنظومة في مختلف البيئات القتالية دون الحاجة إلى تطوير نماذج متخصصة لكل جبهة على حدة.
تمثل الصفقة انتصاراً جديداً لبرنامج التصنيع الدفاعي المحلي في الهند. فقد نجحت شركة L&T خلال السنوات الماضية في بناء خطوط إنتاج متقدمة للمدفع بالتعاون مع Hanwha Aerospace، مع زيادة نسب المكونات المصنعة محلياً بصورة تدريجية. ومع تنفيذ الطلبية الجديدة، ستشهد الصناعة الدفاعية الهندية دفعة كبيرة من حيث حجم الإنتاج ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل التوريد المحلية، وهو ما يتماشى مع الرؤية الحكومية الرامية إلى تحويل الهند إلى مركز عالمي للصناعات الدفاعية خلال العقد المقبل.
كما تحمل الصفقة أهمية كبيرة بالنسبة لشركة Hanwha Aerospace التي تواصل تعزيز حضورها الدولي عبر عائلة K9 Thunder. فقد تحولت هذه المنظومة خلال العقد الأخير إلى واحدة من أنجح برامج المدفعية ذاتية الحركة في العالم، مع نجاحات تصديرية واسعة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. ويؤكد التوسع الهندي الجديد استمرار الثقة العالمية في المنصة الكورية التي أصبحت معياراً رئيسياً في سوق المدفعية الثقيلة الحديثة.
واستراتيجياً، تعكس الخطوة الهندية اتجاهاً عالمياً متزايداً نحو إعادة الاعتبار للمدفعية الثقيلة بعد الدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية. فقد أثبتت المعارك الحديثة أن المدفعية لا تزال تمثل "إله الحرب" كما يصفها العسكريون، وأن القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة وكثيفة على مسافات بعيدة أصبحت عاملاً حاسماً في استنزاف الخصوم وتعطيل مراكز القيادة والإمداد. ولذلك تشهد أسواق المدفعية العالمية موجة تحديث واسعة تشمل المدافع ذاتية الحركة والذخائر الموجهة وأنظمة إدارة النيران الرقمية.
إن مشروع شراء 300 مدفع إضافي من طراز K9 Vajra لا يمثل مجرد صفقة تسليح ضخمة، بل يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في بنية القوات البرية الهندية. فمع اقتراب حجم الأسطول من 500 مدفع، ستكون الهند بصدد بناء واحدة من أكبر قوات المدفعية ذاتية الحركة في آسيا، بما يعزز قدرتها على الردع والمناورة النارية على جبهتين في وقت واحد، ويؤكد أن المنافسة العسكرية في جنوب آسيا تتجه بصورة متزايدة نحو امتلاك قدرات الضربات البرية بعيدة المدى القادرة على حسم المعارك قبل وصول القوات إلى خطوط الاشتباك المباشر.