في خطوة استراتيجية تعكس التحولات العميقة في العقيدة الدفاعية الأوروبية نحو الاعتماد على الذات وتعزيز الجاهزية العملياتية، أعلنت وزارة الدفاع البلجيكية رسمياً عن إطلاق الشراكة الصناعية الكبرى المعروفة باسم Land Systems Logistic Support (LS²). هذا التحالف الدفاعي الضخم، الذي يجمع تحت مظلته ثلاثة من عمالقة الصناعة الدفاعية في أوروبا، وهم: شركة John Cockerill Defense، وشركة FN Herstal، وشركة Thales Belgium، يهدف إلى إحداث ثورة شاملة في نظام الدعم اللوجستي والصيانة والتطوير لجميع المركبات القتالية والأنظمة المدمجة التابعة للقوات البرية البلجيكية.
تأتي هذه الاتفاقية، التي تمتد لـ 20 عاماً، كجزء من رؤية بلجيكا لعام 2030 وما بعده، لتأمين أسطولها من المركبات الحديثة، وعلى رأسها عائلة مركبات Griffon و Jaguar المندرجة تحت برنامج CaMo (Capacité Motorisée)، بالإضافة إلى مركبات Falcon Command and Liaison Vehicles (CLV) المستندة إلى منصة Oshkosh Defense JLTV. إن مشروع LS² ليس مجرد عقد صيانة روتيني، بل هو بنية تحتية دفاعية متكاملة تضمن بقاء التفوق التكنولوجي البلجيكي في أعلى مستوياته عبر دمج أنظمة الاتصالات المتقدمة، وأنظمة الأسلحة الموجهة عن بُعد من طراز deFNder Light، وبرمجيات القيادة والسيطرة التي توفرها Thales.
أكد وزير الدفاع البلجيكي، "ثيو فرانكن"، أن الموافقة على شروط هذه الاتفاقية تمثل استثماراً سيادياً بامتياز، حيث تم تعيين "تيبو لامبرخت" رئيساً تنفيذياً لمشروع LS²، ليبدأ مهامه رسمياً في أوائل فبراير 2026. ستعمل الشركات الثلاث بتناغم تام؛ حيث تتولى John Cockerill Defense جانب الهندسة الميكانيكية وتكامل الأبراج القتالية، بينما توفر FN Herstal حلول الأسلحة المتطورة، في حين تضمن Thales Belgium التفوق في الفضاء الرقمي والسيبراني للمركبات من خلال أنظمة Information systems و Communication systems فائقة التطور.
وتشمل تفاصيل الصفقة تحديث الأسطول الحالي من شاحنات DAF Trucks التي تستخدم هياكل Tatra Trucks، وتجهيزها بمقصورات مدرعة من إنتاج Tatra Defence Vehicle. الهدف النهائي هو خلق بيئة لوجستية موحدة تضمن أن تكون كل مركبة، من الشاحنات اللوجستية الثقيلة 8x8 إلى مدرعات الاستطلاع الخفيفة، جاهزة للانتشار في غضون ساعات، مع دعم فني مستدام يقلل من فترات التوقف عن العمل إلى أدنى مستوياتها التاريخية.
تمثل هذه الصفقة تحولاً جوهرياً في مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" داخل الاتحاد الأوروبي. فبلجيكا، عبر مشروع LS²، تبتعد عن نموذج الشراء المباشر والاعتماد الكلي على المصنعين الخارجيين في عمليات الصيانة، لتنتقل إلى نموذج "السيادة الصناعية المشتركة". إن دمج قدرات John Cockerill Defense مع FN Herstal و Thales يخلق قطبًا تكنولوجيًا قادراً ليس فقط على صيانة الأسطول البلجيكي، بل وعلى تقديم نموذج يحتذى به في التعاون العابر للحدود، خاصة مع الارتباط الوثيق ببرنامج SCORPION الفرنسي.
استراتيجياً، يعزز هذا التحالف مكانة بلجيكا كـ "مركز لوجستي" (Logistical Hub) رئيسي لحلف شمال الأطلسي (NATO). ففي ظل التوترات المتصاعدة على الجبهة الشرقية لأوروبا، أصبح "الاستعداد القتالي" (Operational Readiness) هو العملة الأغلى. من خلال ضمان صيانة مستدامة لمدة 20 عاماً، ترسل بلجيكا رسالة ردع واضحة مفادها أن قواتها البرية ليست مجهزة بأحدث التكنولوجيات فحسب، بل تمتلك أيضاً "العمق الصناعي" اللازم للاستمرار في صراعات طويلة الأمد، وهو الدرس الذي استوعبته العواصم الأوروبية جيداً من النزاعات الحديثة.
على المستوى العالمي، يضع مشروع LS² معياراً جديداً للعقود الدفاعية طويلة الأمد. إن توجه الدول نحو صفقات "الحياة الكاملة للمنتج" (Life-cycle support) يغير قواعد اللعبة بالنسبة لشركات مثل Oshkosh Defense و KNDS France. السوق العالمي الآن لم يعد يكتفي بشراء المنصة (المدرعة أو الدبابة)، بل يبحث عن "المنظومة القتالية المتكاملة" التي تشمل الصيانة الذكية القائمة على البيانات، وهو ما تبرع فيه Thales عبر دمج الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأعطال قبل وقوعها.
علاوة على ذلك، فإن نجاح بلجيكا في الحصول على موافقة المفوضية الأوروبية لهذا المشروع المشترك يعبد الطريق أمام اندماجات دفاعية أوروبية كبرى مستقبلاً. هذا التوجه سيؤدي بالضرورة إلى تقليص نفوذ الشركات التي لا تمتلك شراكات محلية قوية داخل أوروبا، وسيدفع المنافسين العالميين إلى إعادة التفكير في استراتيجياتهم للدخول إلى السوق الأوروبي. إن صناعة الدفاع العالمية تشهد اليوم ولادة "تكتلات تقنية" بدلاً من مجرد مجمعات صناعية، حيث تصبح البرمجيات والقدرة على التحديث المستمر لمركبات مثل Griffon و Jaguar أهم بكثير من الصفائح الفولاذية للمدرعة نفسها.
بهذا المشروع، تؤمن بلجيكا مستقبل قواتها البرية، وتضع نفسها في قلب الخريطة الدفاعية المتطورة، مؤكدة أن القوة العسكرية في العصر الحديث تبدأ من المصنع وتنتهي في ساحة المعركة عبر شبكة لوجستية رقمية لا تنقطع.