أخبار: وصول طلائع القوات الأمريكية إلى نيجيريا لتعزيز قدرات مكافحة الإرهاب

في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في استراتيجية الأمن القومي لجمهورية نيجيريا الاتحادية وتصاعداً في انخراط واشنطن العسكري في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة النيجيرية (Defence Headquarters - DHQ) رسمياً عن وصول الدفعة الأولى من القوات الأمريكية إلى قاعدة "باوتشي" (Bauchi Airfield) شمال شرقي البلاد. وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لاتفاقية تعاون دفاعي موسعة تهدف إلى كبح جماح التنظيمات المتطرفة التي باتت تهدد استقرار أكبر اقتصاد في القارة السمراء.

تتألف هذه المجموعة من نحو 100 جندي من المتخصصين الفنيين والمدربين التابعين للجيش الأمريكي، وهي تمثل الطليعة لبعثة عسكرية يخطط أن يصل قوامها إلى 200 فرد في الأسابيع المقبلة. وبحسب المتحدث باسم الدفاع النيجيري، اللواء "Samaila Uba"، فإن هذا الانتشار جاء بناءً على طلب رسمي من الحكومة الفيدرالية النيجيرية الموجه إلى الإدارة الأمريكية، لتقديم الدعم في مجالات التدريب العسكري المتخصص، والدعم التقني المتقدم، وتبادل المعلومات الاستخباراتية (Intelligence Sharing).

أكدت التقارير الصادرة عن الطرفين أن دور القوات الأمريكية سيكون "استشارياً وتدريبياً" بالدرجة الأولى، حيث لن تشارك هذه القوات في عمليات قتالية مباشرة (Non-combat roles). وسوف يتركز نشاطها في ولاية "Bauchi" والمناطق المحيطة بها في الشمال الشرقي، وهي المناطق التي تشهد نشاطاً مكثفاً لتنظيمات إرهابية مثل "Boko Haram" وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (ISWAP).

وتشمل بنود الصفقة الأمنية الحالية تزويد القوات النيجيرية بقدرات تقنية متطورة تشرف عليها فرق من U.S. Africa Command (AFRICOM)، تتضمن تقنيات المراقبة والاستطلاع الجوي، وتطوير مهارات الوحدات الخاصة النيجيرية في تكتيكات مكافحة التمرد. كما أشار البيان العسكري إلى أن كافة الأنشطة ستتم "تحت سلطة وتوجيه القوات المسلحة النيجيرية"، في محاولة لطمأنة الداخل النيجيري بشأن السيادة الوطنية.

يمثل هذا الانتشار العسكري الأمريكي في نيجيريا دلالة استراتيجية كبرى لا يمكن فصلها عن حالة السيولة الأمنية في منطقة الساحل. فبعد انسحاب القوات الأمريكية من النيجر في عام 2024 وإغلاق قاعدة "Air Base 201" في "Agadez"، كانت واشنطن تبحث عن موطئ قدم استراتيجي بديل يضمن لها استمرارية مراقبة نشاط الجماعات المتطرفة العابرة للحدود.

استراتيجياً، يمثل اختيار نيجيريا لهذا التعاون "ضربة معلم" مزدوجة؛ فمن جهة، تسعى نيجيريا لكسر الجمود في حربها الطويلة ضد الإرهاب عبر الاستعانة بالتكنولوجيا الأمريكية الفائقة، ومن جهة أخرى، تجد الولايات المتحدة في "أبوجا" شريكاً ديمقراطياً قوياً ومستقراً نسبياً مقارنة بجيرانها الذين شهدوا انقلابات عسكرية متتالية وميلاً نحو التحالف مع أطراف دولية أخرى مثل روسيا. إن هذا الوجود الأمريكي يهدف إلى خلق حائط صد استراتيجي يمنع تمدد الجماعات المسلحة من مالي والنيجر نحو خليج غينيا، مما يحمي مصالح الطاقة العالمية في المنطقة.

على صعيد سوق الصناعات الدفاعية، فإن هذا التقارب العسكري يفتح الباب واسعاً أمام تدفق المعدات الدفاعية الأمريكية إلى السوق النيجيرية. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة زيادة في الطلبات على طائرات المراقبة المسيرة (UAVs)، وأجهزة الاتصالات المشفرة، والعربات المدرعة المقاومة للألغام (MRAPs) التي تنتجها شركات أمريكية كبرى.

إن اعتماد الجيش النيجيري على "العقيدة العسكرية الأمريكية" في التدريب والاستخبارات سيؤدي بالضرورة إلى ربط طويل الأمد لسلسلة التوريد الدفاعية النيجيرية بالصناعات الأمريكية، مما يعزز من مكانة الشركات الأمريكية في مواجهة التنافس الصيني والروسي المتزايد في أفريقيا. هذا النوع من "التعاون الفني" غالباً ما يتبعه صفقات استحواذ كبرى لمنصات سلاح متطورة لضمان التوافق العملياتي (Interoperability) بين القوات المضيفة والقوات الأمريكية الاستشارية.

إن وصول الـ 100 جندي أمريكي إلى قاعدة "باوتشي" ليس مجرد إجراء فني، بل هو رسالة سياسية بليغة مفادها أن نيجيريا قررت تدويل جهودها الأمنية لمواجهة تهديدات وجودية. وبالرغم من المخاوف المحلية من التدخل الأجنبي، إلا أن حجم التحديات التي تفرضها جماعات مثل "ISWAP" و"Boko Haram"، بالإضافة إلى ظهور جماعة "Lakurawa" المرتبطة بتنظيم "داعش"، جعل من التحالف مع Washington ضرورة استراتيجية لا مفر منها.

سوف يراقب المحللون العسكريون بدقة مدى فعالية هذا "النموذج الاستشاري" في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض خلال الأشهر الستة المقبلة، حيث ستكون نيجيريا بمثابة الاختبار الحقيقي لقدرة الولايات المتحدة على إعادة صياغة استراتيجيتها في أفريقيا بعد سلسلة من الانتكاسات في دول الجوار. إن نجاح هذه المهمة قد يعني تحول نيجيريا إلى المركز العصبي الجديد للعمليات الأمنية الأمريكية في القارة، مما سيعيد رسم خارطة النفوذ العسكري في أفريقيا برمتها.