أخبار: Rheinmetall تتخلى عن قطاع السيارات نهائياً للتركيز الكامل على الصناعات الدفاعية

في خطوة تمثل أحد أكبر التحولات الاستراتيجية في تاريخ الصناعات الدفاعية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، أعلنت شركة Rheinmetall الألمانية توقيع اتفاق نهائي لبيع قطاعها المدني المتخصص في مكونات وأنظمة السيارات Power Systems إلى مجموعة الاستثمار الصناعية الألمانية AEQUITA مقابل قيمة أولية تبلغ نحو 350 مليون يورو، لتقترب بذلك من استكمال عملية تحولها إلى شركة تركز بصورة شبه كاملة على الأنشطة العسكرية والأمنية في ظل النمو المتسارع للطلب العالمي على منتجاتها الدفاعية.

وتأتي هذه الصفقة بعد أشهر من المفاوضات التي بدأتها الشركة الألمانية خلال عام 2025 بهدف إيجاد مستثمر قادر على الاستحواذ على النشاط المدني الذي ظل لعقود طويلة جزءاً أساسياً من هوية Rheinmetall التاريخية. ومن المنتظر أن يتم استكمال عملية نقل الملكية خلال الربع الرابع من عام 2026 بعد الحصول على الموافقات التنظيمية المطلوبة، فيما يظل سعر الصفقة النهائي خاضعاً لبعض آليات المراجعة والتعديل المعتادة قبل إتمام الإغلاق الرسمي.

ويشمل البيع قطاع Power Systems الذي حقق إيرادات تقارب ملياري يورو خلال عام 2025، ويضم علامات صناعية معروفة في قطاع مكونات السيارات مثل Pierburg وKolbenschmidt وMotorservice. كما تضم الوحدة المباعة نحو 6250 موظفاً موزعين على عدد من المواقع الإنتاجية حول العالم، في حين أكدت AEQUITA التزامها بالإبقاء على جميع العاملين واستمرار تشغيل الأنشطة الصناعية القائمة ضمن خطة طويلة الأجل لإعادة تطوير الأعمال وتعزيز قدرتها التنافسية.

ورغم شمول الصفقة الجزء الأكبر من النشاط المدني للمجموعة، فإن بعض الأصول الاستراتيجية ستبقى خارج عملية البيع. وتشمل هذه الأصول مواقع KS Huayu AluTech الألمانية في Neckarsulm وWalldürn وLangenhagen، إضافة إلى حصة الشركة في Dermalog SensorTec ومصنع Pierburg في مدينة Abadiano الإسبانية. وتوضح هذه الاستثناءات أن Rheinmetall ما زالت تحتفظ ببعض الخيارات الصناعية التي يمكن إعادة توظيفها مستقبلاً لخدمة برامجها الدفاعية المتنامية.

ويعكس قرار التخارج من قطاع السيارات تحولات أعمق داخل الشركة الألمانية التي استفادت بصورة غير مسبوقة من الطفرة الدفاعية الأوروبية التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية. فخلال السنوات الأربع الماضية شهدت Rheinmetall نمواً هائلاً في حجم الطلبيات العسكرية مع اتجاه دول حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي إلى إعادة بناء مخزوناتها من الذخائر والمعدات العسكرية وزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات لم تشهدها القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب الباردة.

وقد أشار الرئيس التنفيذي للشركة Armin Papperger إلى أن المجموعة تسعى إلى التركيز على الأعمال ذات الهوامش الربحية المرتفعة المرتبطة بالعملاء العسكريين والأمنيين، مؤكداً أن فرص النمو المستقبلية أصبحت تتركز بصورة شبه كاملة في قطاع الدفاع. وتنسجم هذه الرؤية مع الواقع المالي للشركة، حيث أصبح النشاط العسكري يمثل المحرك الرئيسي للإيرادات والأرباح بينما تعرض قطاع السيارات لضغوط متزايدة نتيجة تباطؤ الأسواق الأوروبية واحتدام المنافسة العالمية، خاصة من الشركات الصينية وتراجع وتيرة التحول نحو المركبات الكهربائية مقارنة بالتوقعات السابقة.

وتكشف البيانات المالية المعلنة أن تدهور أوضاع سوق السيارات كان له تأثير مباشر على شروط الصفقة النهائية، إذ اضطرت Rheinmetall بالفعل إلى تسجيل مخصصات وانخفاضات قيمة مرتبطة بالقطاع المدني بلغت نحو 350 مليون يورو في نهاية عام 2025، بينما ستتحمل الشركة أيضاً أعباء محاسبية إضافية تقدر بنحو 200 مليون يورو مرتبطة بإتمام عملية البيع. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن الإدارة الألمانية ترى أن التخارج من النشاط المدني سيسمح بتحرير الموارد المالية والبشرية لتوجيهها نحو مشاريع الدفاع الأكثر ربحية والأسرع نمواً.

وتتجاوز أهمية هذه الصفقة مجرد إعادة هيكلة داخلية لشركة كبرى، إذ تعكس تغيراً هيكلياً واسعاً في قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبي. فخلال العقود الماضية حرصت العديد من الشركات الدفاعية الأوروبية على الاحتفاظ بأنشطة مدنية وعسكرية متوازية لتخفيف المخاطر المرتبطة بتقلبات الإنفاق الدفاعي الحكومي. إلا أن البيئة الأمنية الحالية دفعت عدداً متزايداً من الشركات إلى إعادة النظر في هذا النموذج التقليدي، خاصة مع تحول الدفاع إلى أحد أكثر القطاعات نمواً وربحية في أوروبا.

ومن الناحية الاستراتيجية، يمنح التخارج Rheinmetall قدرة أكبر على تسريع استثماراتها في المجالات التي تشهد طلباً متزايداً مثل الذخائر والمدرعات وأنظمة الدفاع الجوي والحلول الرقمية العسكرية والأنظمة غير المأهولة. كما يتيح للشركة إعادة توجيه منشآت صناعية كانت تعمل سابقاً في إنتاج مكونات السيارات نحو الإنتاج الدفاعي. وتشير تقارير ألمانية إلى أن بعض المصانع المدنية التابعة للشركة بدأت بالفعل عمليات التحول لإنتاج معدات فضائية وعسكرية بدلاً من المكونات المخصصة لسوق السيارات، وهو ما يعكس حجم التحول الجاري داخل المجموعة.

ويكتسب القرار أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التي أصبحت تحتلها Rheinmetall داخل السوق الدفاعية الأوروبية والعالمية. فالشركة لا تعد مجرد مورد للذخائر أو المدافع، بل أصبحت لاعباً محورياً في برامج الدبابات وعربات المشاة القتالية وأنظمة الدفاع الجوي والذخائر الذكية، كما توسعت بصورة كبيرة في مجالات التصنيع البحري والفضائي والتقنيات الرقمية العسكرية. ومع استمرار ارتفاع الطلب الأوروبي على إعادة التسليح، تبدو الإدارة مقتنعة بأن العوائد المستقبلية للقطاع العسكري تفوق بكثير أي فرص نمو محتملة في قطاع السيارات التقليدي.

تمثل صفقة بيع Power Systems نقطة تحول تاريخية في مسيرة Rheinmetall الممتدة لأكثر من قرن. فالشركة التي جمعت طويلاً بين الصناعات المدنية والعسكرية تتجه الآن نحو نموذج جديد يقوم على التركيز شبه الكامل على الدفاع والأمن، مستفيدة من أكبر دورة إنفاق عسكري تشهدها أوروبا منذ عقود. كما تعكس الصفقة اتجاهاً أوسع داخل الصناعة الأوروبية يتمثل في انتقال رؤوس الأموال والقدرات الإنتاجية من القطاعات المدنية المتباطئة إلى قطاع الدفاع الذي أصبح أحد أكثر المجالات جذباً للاستثمارات والنمو، وهو ما قد يعيد رسم خريطة الصناعات الثقيلة الأوروبية خلال السنوات المقبلة ويمنح Rheinmetall موقعاً أكثر قوة في سباق التسلح العالمي المتسارع.