في تطور لافت ضمن سباق التسلح العالمي وتحديث أنظمة القتال القريب، أعلنت شركة الدفاع السويدية Saab في 7 مايو 2026 عن إطلاق ذخيرة جديدة مضادة للدروع مخصصة لمنظومة الإطلاق متعددة الاستخدامات الشهيرة Carl-Gustaf M4، وتحمل الذخيرة الجديدة التعيين HEAT 758، وذلك خلال عرض ناري ميداني أُجري في مدينة كارلسكوغا بالسويد أمام عدد من العملاء العسكريين الدوليين.
ويمثل هذا الإعلان خطوة متقدمة في مسار تطوير الذخائر الموجهة للاشتباكات المضادة للدروع، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة في تصميم المركبات المدرعة الحديثة واعتمادها المتزايد على تقنيات الحماية التفاعلية المتفجرة (ERA)، وهو ما فرض تحديات كبيرة على الذخائر التقليدية المضادة للدروع في ساحات القتال الحديثة.
تعتمد الذخيرة الجديدة HEAT 758 على مفهوم الرأس الحربي المزدوج (Tandem Warhead)، حيث تتكون من شحنتين رئيسيتين تعملان بشكل متتابع. تقوم الشحنة الأولى بمهمة تعطيل طبقات الحماية التفاعلية الخارجية المثبتة على المدرعات، بينما تتولى الشحنة الثانية اختراق الدرع الأساسي للمركبة المستهدفة.
وبحسب البيانات التقنية المعلنة، فإن الذخيرة قادرة على اختراق ما يصل إلى 700 ملم من الدروع الفولاذية المكافئة، وهو مستوى أداء يضعها ضمن فئة الذخائر عالية الفعالية ضد الدبابات القتالية الرئيسية الحديثة.
هذا التطور يعكس استجابة مباشرة من Saab للتغيرات في ميدان المعركة، حيث أصبحت الدروع التفاعلية معياراً شائعاً في تصميم المركبات المدرعة، بما في ذلك الدبابات الثقيلة وناقلات الجند المدرعة عالية الحماية.
أحد أبرز عناصر القوة في الذخيرة الجديدة يتمثل في تكاملها مع منظومة Firebolt الخاصة بـ Carl-Gustaf M4، وهي تقنية تسمح بإنشاء قناة اتصال رقمية بين الذخيرة والسلاح ونظام التحكم في النيران.
هذا التكامل يتيح للمشغلين ضبط إعدادات الإطلاق تلقائياً دون الحاجة إلى تدخل يدوي معقد، بما يشمل ضبط نوع الذخيرة، ومعايير التفجير، والبيانات الباليستية. ويمثل ذلك نقلة نوعية في تقليل الأخطاء البشرية، وتسريع زمن الاستجابة في بيئات القتال عالية الضغط.
وتشير التقارير التقنية إلى أن هذه الميزة تعزز بشكل مباشر احتمالية الإصابة من الطلقة الأولى، وهو عامل حاسم في الاشتباكات قصيرة المدى التي تتسم بسرعة التطور وتغير الموقف التكتيكي خلال ثوانٍ معدودة.
أكدت Saab أن أحد العملاء الحاليين لمنظومة Carl-Gustaf قد قام بالفعل بطلب الذخيرة الجديدة، مع بدء عمليات الإنتاج الفعلي في خطوط التصنيع. وعلى الرغم من عدم الكشف عن هوية الدولة العميلة، فإن هذا المؤشر يعكس وجود طلب عملياتي فعلي وليس مجرد تطوير تجريبي.
ويأتي هذا الإعلان ضمن سلسلة توسع مستمر في قاعدة مستخدمي منظومة Carl-Gustaf، والتي تُعد واحدة من أكثر أنظمة القتال القريب انتشاراً داخل جيوش الناتو وشركائه حول العالم.
تكتسب الذخيرة HEAT 758 أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد التحسينات التقنية، إذ تعزز مفهوم توزيع القوة النارية المضادة للدروع على مستوى الوحدات الصغيرة.
وبفضل إمكانية حمل وتشغيل منظومة Carl-Gustaf M4 من قبل فرق مشاة خفيفة، فإن الذخيرة الجديدة تمنح القوات البرية قدرة مستقلة نسبياً على مواجهة الدبابات المتقدمة دون الاعتماد الكامل على المدفعية أو الطيران الحربي.
هذا التحول يعيد صياغة معادلة الاشتباك البري، حيث لم تعد الدبابة تتمتع بالهيمنة التقليدية في ساحات القتال، بل أصبحت عرضة لتهديد مباشر من وحدات صغيرة مجهزة تقنياً وذخيرة عالية الاختراق.
من الناحية الصناعية، يعكس إطلاق HEAT 758 استمرار توجه Saab نحو تعزيز موقعها في سوق الأسلحة الخفيفة المتقدمة، خاصة في قطاع أنظمة القتال غير الموجهة والذخائر الذكية.
كما أن دمج الذخائر مع أنظمة رقمية مثل Firebolt يمثل اتجاهاً متصاعداً في الصناعة الدفاعية العالمية نحو "رقمنة الاشتباك"، حيث يتم تقليل الاعتماد على التقدير البشري وزيادة الاعتماد على أنظمة الحساب الفوري للبيانات القتالية.
ومن المتوقع أن يضغط هذا التطور على الشركات المنافسة في الولايات المتحدة وأوروبا لتسريع برامج تطوير الذخائر الذكية المضادة للدروع، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد من جيوش الناتو على حلول مرنة منخفضة التكلفة مقارنة بالأنظمة الصاروخية الثقيلة.
يأتي هذا التطوير في وقت يشهد فيه العالم زيادة ملحوظة في استخدام الدروع التفاعلية المتقدمة في النزاعات الإقليمية، مما جعل الذخائر التقليدية أقل فعالية في بعض السيناريوهات.
وبالتالي، فإن إدخال HEAT 758 يعكس محاولة واضحة من Saab للحفاظ على فعالية Carl-Gustaf M4 كمنظومة متعددة الأدوار قادرة على التكيف مع بيئات القتال الحديثة، سواء في الحروب النظامية أو العمليات غير المتكافئة.
يمثل إدخال الذخيرة HEAT 758 مرحلة جديدة في تطور أنظمة القتال المضاد للدروع، حيث تتداخل التكنولوجيا الرقمية مع الهندسة الباليستية التقليدية لإنتاج منظومة أكثر دقة ومرونة وفتكاً.
وبينما تستمر Saab في تعزيز مكانتها كأحد أبرز موردي أنظمة القتال القريب في العالم، فإن هذا التطور يعكس أيضاً اتجاهاً أوسع في الصناعات الدفاعية نحو تمكين الجندي الفرد بأنظمة أكثر ذكاءً وفعالية، قادرة على تغيير نتائج الاشتباك في لحظات حاسمة من المعركة.