: اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. هل تعيد السعودية وتركيا وباكستان رسم خريطة الأمن الإقليمي؟

لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس 2026 مجرد خطوة جديدة في مسار التعاون العسكري بين ثلاث دول تربطها علاقات دفاعية وسياسية متنامية، وإنما يمثل تطورًا مهمًا في بنية الأمن الإقليمي، لأنه ينقل العلاقات بينها من مستوى التعاون الثنائي أو التنسيق السياسي إلى إطار ثلاثي يقوم على مبدأ الردع المشترك. وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجومًا عليها جميعًا، وهو بند يمنح الاتفاقية وزنًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا، حتى وإن كانت لا تزال بعيدة عن امتلاك البنية المؤسسية والعملياتية المتكاملة التي تميز التحالفات العسكرية الكبرى.

من اتفاق سعودي–باكستاني إلى إطار دفاعي ثلاثي

وتزداد أهمية الاتفاقية بسبب توقيتها. فقد جاءت بعد عام شهد تصاعدًا حادًا في المخاطر الأمنية بالشرق الأوسط، وتغيرًا في حسابات القوى الإقليمية بشأن الاعتماد على الضمانات الخارجية، إلى جانب تنامي القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والضربات بعيدة المدى. وفي الوقت نفسه، كانت العلاقات الدفاعية بين الرياض وإسلام آباد قد دخلت بالفعل مرحلة أكثر عمقًا بعد توقيع «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك» في سبتمبر 2025، والتي نصت بدورها على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدولتين اعتداءً على الأخرى. وبذلك فإن إدخال تركيا في إطار أوسع لا يبدأ من فراغ، وإنما يمثل توسعًا لشبكة أمنية كانت قائمة أصلًا بين السعودية وباكستان.

ثلاث دول.. ومصادر قوة مختلفة

والنقطة الأكثر أهمية في قراءة الاتفاقية هي أن الدول الثلاث لا تمتلك القدرات نفسها، ولا تواجه التهديدات نفسها، ولا تقع داخل المسرح الجغرافي ذاته. وهذه تحديدًا هي التي تجعل الاتفاقية مثيرة للاهتمام من منظور استراتيجي. فالسعودية تمثل القوة الاقتصادية والمالية الرئيسية داخل الترتيب، وتمتلك موقعًا جغرافيًا حاسمًا في الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب قوات مسلحة كبيرة واستثمارات ضخمة في الدفاع الجوي والصاروخي والطيران والبحرية. أما تركيا فتمتلك قاعدة صناعية دفاعية متنامية وقوات مسلحة كبيرة وخبرة عملياتية واسعة وقدرات متقدمة في الطائرات غير المأهولة والصواريخ والسفن والمنظومات البرية والإلكترونيات. بينما توفر باكستان عمقًا عسكريًا مختلفًا، وخبرة طويلة في الردع والاستراتيجية النووية، وقوات مسلحة كبيرة، وقاعدة صناعية دفاعية آخذة في التطور، إضافة إلى موقع جغرافي يربط الخليج بآسيا الجنوبية.

ومن هنا فإن القيمة الحقيقية للاتفاقية لا تكمن فقط في جمع ثلاثة جيوش تحت مظلة سياسية واحدة، وإنما في تكامل مصادر القوة بينها. السعودية تمتلك الموارد والقدرة على تمويل برامج دفاعية ضخمة، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية يمكنها إنتاج مجموعة متزايدة من الأنظمة والذخائر والمنصات، بينما تمتلك باكستان خبرات عسكرية متراكمة في بيئة أمنية عالية التوتر، فضلًا عن قدراتها في مجال الطيران والصواريخ والردع الاستراتيجي. وإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل هذا التكامل النظري إلى تعاون مؤسسي، فإن الاتفاقية يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى منصة لإنتاج قدرات مشتركة، وليس مجرد وثيقة للرد السياسي على أي أزمة.

تركيا.. الحلقة الصناعية في المثلث الدفاعي

وهنا تظهر خصوصية الدور التركي. فأنقرة لا تضيف إلى الاتفاقية مجرد عدد إضافي من الجنود أو الطائرات، وإنما تضيف بنية صناعية دفاعية يمكن أن تكون من أهم أدوات التعاون الثلاثي. فقد تطورت الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة إلى منظومة تشمل الطائرات القتالية غير المأهولة، والمروحيات، والسفن الحربية، والعربات المدرعة، والصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والاتصالات. ولذلك فإن دخول تركيا في إطار دفاعي مع السعودية وباكستان يفتح مجالًا نظريًا لتوسيع التعاون من التدريب والمناورات إلى الإنتاج المشترك والتطوير ونقل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والصيانة.

ولا يعني ذلك أن الاتفاقية أنشأت تلقائيًا منظومة صناعية دفاعية ثلاثية، إذ لم تُعلن حتى الآن تفاصيل بهذا الحجم. لكن الاتجاه العام في العلاقات بين الدول الثلاث يجعل هذا المسار قابلًا للتطور. فتركيا لديها بالفعل علاقات دفاعية عميقة مع باكستان، بينما توسعت العلاقات الدفاعية التركية السعودية خلال السنوات الأخيرة في مجالات متعددة، كما أن السعودية تسعى ضمن «رؤية 2030» إلى توطين نسبة أكبر من إنفاقها العسكري وتطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية. وبالتالي فإن الجمع بين التمويل السعودي والخبرة الصناعية التركية والقدرات الهندسية والعسكرية الباكستانية قد ينتج عنه بمرور الوقت نموذج تعاون مختلف عن صفقات التسليح التقليدية.

السعودية تبحث عن تنويع مصادر الردع

أما بالنسبة إلى السعودية، فإن الاتفاقية تحمل بعدًا يتجاوز الحصول على دعم عسكري من دولتين شريكتين. الرياض تسعى منذ سنوات إلى بناء سياسة أمنية أكثر تنوعًا، تقوم على عدم الاعتماد على شريك دولي واحد في تأمين مصالحها. ولا يعني ذلك بالضرورة الابتعاد عن الولايات المتحدة أو استبدال التحالفات الغربية، وإنما توسيع قاعدة العلاقات الدفاعية بحيث تمتلك المملكة خيارات متعددة في التسليح والتدريب والتكنولوجيا والردع. وتأتي الشراكة مع تركيا وباكستان ضمن هذا الاتجاه، لأنها تمنح السعودية علاقات دفاعية قوية مع دولتين تمتلكان قدرات عسكرية مستقلة نسبيًا عن المنظومة الغربية.

وهذا البعد مهم خصوصًا في ضوء التجربة الأمنية الخليجية خلال السنوات الماضية، عندما أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز تمثل تحديًا متزايدًا للمنشآت الحيوية والبنية التحتية. وأظهرت هذه البيئة أن امتلاك طائرات مقاتلة متقدمة لا يكفي وحده لتأمين دولة ذات مساحة جغرافية واسعة ومنشآت طاقة وموانئ وقواعد عسكرية موزعة على مسافات كبيرة. ولذلك تتجه أهمية الردع الحديث نحو تكامل الدفاع الجوي والصاروخي والاستطلاع والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والقدرات الهجومية الدقيقة.

وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح تركيا شريكًا مهمًا للسعودية في تطوير بعض هذه القدرات، خاصة مع توسع الصناعات التركية في مجال الطائرات غير المأهولة والرادارات وأنظمة الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والصواريخ. كما يمكن أن توفر باكستان خبرات مختلفة في تشغيل القوات الجوية والصاروخية والقدرات المشتركة، إلى جانب خبرتها في التعامل مع بيئة أمنية تتطلب الحفاظ على جاهزية عسكرية مستمرة.

لكن الاتفاقية تحمل أيضًا أهمية خاصة بالنسبة إلى باكستان. فإسلام آباد تحصل من خلالها على عمق سياسي وأمني أكبر في الخليج، وتؤكد موقعها كقوة عسكرية لا يقتصر مجال نفوذها الأمني على جنوب آسيا. وتعتبر السعودية بالنسبة إلى باكستان شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا مهمًا منذ عقود، بينما توفر تركيا منفذًا آخر لتطوير القدرات الدفاعية والصناعية. وبالتالي فإن الترتيب الثلاثي يمكن أن يساعد إسلام آباد على توسيع شبكتها الدفاعية خارج نطاق التنافس التقليدي مع الهند.

وهذه نقطة مهمة لأن باكستان لا تستطيع ببساطة نقل مركز ثقلها العسكري من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط. فالتنافس مع الهند سيظل العامل الأساسي في التخطيط الدفاعي الباكستاني، كما أن أي التزام عسكري واسع في الخليج يمكن أن يفرض تكاليف استراتيجية على القوات الباكستانية. ولذلك فإن القيمة بالنسبة إلى إسلام آباد قد تكمن في الردع السياسي وتبادل القدرات والتعاون الصناعي أكثر من الدخول التلقائي في عمليات عسكرية خارج محيطها الجغرافي المباشر.

هل تعني الاتفاقية حربًا مشتركة تلقائيًا؟

وهنا نصل إلى أحد أهم الأسئلة المتعلقة بالاتفاقية: هل تعني أن تركيا وباكستان ستدخلان تلقائيًا في حرب إذا تعرضت السعودية لهجوم؟ من الناحية السياسية، صياغة الاتفاقية تمنح هذا الاحتمال وزنًا واضحًا، لأن مبدأ اعتبار الهجوم على دولة هجومًا على الدول الثلاث يمثل التزامًا سياسيًا وأمنيًا قويًا. لكن تحويل هذا الالتزام إلى عمليات عسكرية فعلية يحتاج إلى آليات لم تُعلن تفاصيلها بالكامل، مثل طبيعة المشاورات، وسرعة اتخاذ القرار، وتحديد نوع المساعدة المطلوبة، وكيفية توزيع القوات والقدرات، ومن يتولى القيادة في حالة نشوب نزاع.

وهذا هو الفارق الجوهري بين الاتفاقية الجديدة وحلف شمال الأطلسي. فقد وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بند الدفاع الجماعي في الاتفاق بأنه مماثل فنيًا لمبدأ المادة الخامسة، لكن التشابه في المبدأ لا يعني التطابق في البنية. فالناتو يمتلك قيادة عسكرية موحدة، وهيكل قوات، وخطط دفاعية مشتركة، وتمارين دورية، وآليات تشاور مؤسسية، وتاريخًا طويلًا من بناء قابلية التشغيل البيني بين قوات أعضائه. أما الاتفاق السعودي التركي الباكستاني فما زال في بداية مساره، ولا يمكن افتراض امتلاكه لهذه القدرات لمجرد وجود بند للدفاع المشترك.

ولذلك فإن المرحلة القادمة ستكون أهم من مراسم التوقيع نفسها. فإذا تبعت الاتفاقية اجتماعات دورية لوزراء الدفاع ورؤساء الأركان، وإنشاء آليات دائمة لتبادل المعلومات، ومناورات ثلاثية، وربط شبكات القيادة والسيطرة، وتطوير بروتوكولات للدفاع الجوي والصاروخي، وتنسيق عمليات البحث والإنقاذ والأمن البحري، فإن الاتفاقية ستبدأ في التحول من إطار سياسي إلى قدرة عسكرية حقيقية. أما إذا بقيت في حدود البيانات والاجتماعات والتعاون الثنائي المنفصل، فستظل قيمتها الأساسية سياسية وردعية أكثر منها عملياتية.

من الردع السياسي إلى القدرة العسكرية

ويكتسب البعد البحري أهمية خاصة في هذا الإطار. فالسعودية تقع بين الخليج والبحر الأحمر، وتركيا تمتلك موقعًا بحريًا استراتيجيًا وخبرة متنامية في بناء السفن الحربية، بينما تمتلك باكستان منفذًا بحريًا على بحر العرب. وبالتالي فإن التعاون البحري بين الدول الثلاث يمكن أن يشكل إحدى أكثر النقاط قابلية للتطبيق، سواء في حماية خطوط الملاحة أو مكافحة الألغام أو أمن الموانئ أو عمليات الإخلاء أو مراقبة المساحات البحرية. كما أن الربط بين البحر الأحمر والخليج وبحر العرب يخلق تصورًا أوسع للأمن البحري يمتد عبر ممرات تجارية شديدة الأهمية للاقتصاد العالمي.

أما الدفاع الجوي والصاروخي فقد يكون المجال الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى السعودية. فبناء شبكة دفاعية فعالة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة لا يعتمد على منظومة اعتراض واحدة، وإنما على شبكة من الرادارات والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة ووسائل الحرب الإلكترونية وطبقات الاعتراض المختلفة. وهنا يمكن أن تستفيد السعودية من الخبرات التركية في تطوير منظومات دفاع جوي محلية ومن خبرات باكستان في تشغيل منظومات دفاعية وقوات جوية ضمن بيئة تهديد معقدة. لكن من المهم عدم القفز من إمكانية التعاون إلى القول إن الاتفاقية أنشأت بالفعل شبكة دفاع جوي ثلاثية؛ فهذا لم يحدث حتى الآن.

كما أن الطائرات غير المأهولة يمكن أن تصبح أحد أكثر المجالات ملاءمة للتعاون. تركيا تمتلك خبرة صناعية واسعة في هذا القطاع، وباكستان لديها خبرة في تشغيل وتطوير عدد من الأنظمة غير المأهولة، بينما تمتلك السعودية الموارد اللازمة للاستثمار في الإنتاج والتوطين. وقد يكون الجمع بين هذه العناصر أكثر أهمية على المدى الطويل من شراء منصات جاهزة، خصوصًا إذا انتقل التعاون إلى تصنيع مكونات محلية أو تطوير منصات مشتركة.

لكن الاتفاقية لا تخلو من قيود استراتيجية. أول هذه القيود هو اختلاف الأولويات الأمنية. فالسعودية تركز بصورة أساسية على أمن الخليج والبحر الأحمر وحماية أراضيها والمنشآت الحيوية، بينما تظل باكستان مركزة على الهند وأمن حدودها الغربية، في حين أن تركيا لديها مجموعة مختلفة من المصالح والتهديدات تمتد من البحر الأسود وشرق المتوسط إلى الشرق الأوسط. وبالتالي فإن تعريف «العدو» أو «التهديد» لن يكون متطابقًا بين الدول الثلاث، وهو أمر يمكن أن يخلق صعوبة في حال وقوع أزمة لا ترى إحدى الدول أنها تمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها.

وهناك قيد ثانٍ يتمثل في الجغرافيا. فالقوة العسكرية لا تنتقل بسهولة بين السعودية وتركيا وباكستان. المسافات الكبيرة تعني أن أي تدخل عسكري فعلي يحتاج إلى طائرات نقل استراتيجي وقواعد عبور وإمداد ومخزون مسبق وحقوق استخدام المطارات والموانئ وشبكات اتصالات آمنة. ومن دون بناء هذه البنية، قد يكون الالتزام السياسي قويًا، لكن القدرة على تنفيذ استجابة عسكرية كبيرة ستظل محدودة.

حدود التحالف.. الجغرافيا واختلاف التهديدات

أما القيد الثالث فهو العلاقة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. تركيا عضو في الناتو، والسعودية شريك أمني رئيسي للولايات المتحدة، وباكستان تمتلك بدورها علاقات أمنية مع واشنطن. ولذلك سيكون من الخطأ تفسير الاتفاقية باعتبارها مشروعًا معلنًا لفك الارتباط بالغرب. بل إن المؤشرات الحالية تقول إن الدول الثلاث تحاول زيادة هامش الاستقلال الاستراتيجي مع الحفاظ على علاقاتها القائمة. والدليل أن تركيا نفسها وقعت في يوليو 2026 شراكة أمنية ودفاعية جديدة مع بريطانيا، وأكدت خلالها التزامها بالدفاع الجماعي داخل الناتو.

ومن هنا فإن الاتفاقية قد تكون أقرب إلى تنويع مصادر الأمن منها إلى تشكيل كتلة معادية للغرب. وهذا يفسر أيضًا حرص المسؤولين على عدم تسمية خصم محدد في الاتفاق. فالاتفاقية لا تعلن أنها موجهة ضد إيران أو إسرائيل أو الهند أو أي دولة أخرى، وحتى إذا كان من الواضح أن البيئة الأمنية الإقليمية ساهمت في دفعها إلى الأمام، فإن تحويلها إلى تحالف موجه ضد خصم محدد سيقيد حرية الدول الثلاث ويزيد احتمالات التصعيد.

مع ذلك، فإن غياب اسم الخصم لا يعني غياب التأثير الردعي. فالردع في جوهره يقوم على حسابات الخصم، وليس فقط على التصريحات الرسمية. عندما يعرف أي طرف محتمل أن التصعيد ضد السعودية يمكن أن يفتح الباب أمام مشاركة تركية أو باكستانية، فإن حساباته تتغير حتى لو لم تكن هناك آلية آلية لإرسال قوات. وبالتالي فإن مجرد وجود الاتفاقية قد يرفع تكلفة بعض أشكال الضغط العسكري على السعودية، وهو أحد أهم الأهداف التي يمكن أن تحققها الاتفاقية في مرحلتها الأولى.

والأكثر أهمية أن الاتفاقية يمكن أن تتطور إلى نظام أمني متعدد الطبقات إذا توسعت مستقبلًا لتشمل دولًا أخرى. وقد ظهرت بالفعل خلال الأشهر الماضية نقاشات حول إمكانية توسيع إطار التعاون الدفاعي ليشمل دولًا إضافية، لكن لا ينبغي اعتبار أي دولة عضوًا محتملًا أو فعليًا قبل وجود إعلان رسمي واضح. وفي حال اتساع الاتفاقية، فإن طبيعتها ستتغير جذريًا، لأن إضافة دول خليجية أو عربية أخرى ستمنحها وزنًا أكبر في أمن الخليج والبحر الأحمر، بينما إضافة دول ذات قدرات عسكرية وصناعية كبيرة ستوسع نطاق الردع.

وفي هذا السياق تحديدًا تظهر مصر كعامل استراتيجي لا يمكن تجاهله عند دراسة مستقبل أي بنية أمنية إقليمية جديدة، حتى دون افتراض أنها ستنضم إلى الاتفاقية. فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس، وتمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة في المنطقة، إضافة إلى قاعدة صناعية دفاعية وقدرات جوية وبحرية وبرية مهمة. ولذلك فإن أي إعادة تشكيل طويلة المدى للأمن في الخليج والبحر الأحمر والشرق الأوسط ستتأثر حتمًا بموقف القاهرة، سواء عبر الانضمام إلى أطر جديدة أو من خلال ترتيبات تعاون منفصلة.

مصر ودول الخليج.. إلى أين يمكن أن تتوسع الاتفاقية؟

وقد يكون هذا البعد هو الأكثر حساسية خلال السنوات المقبلة. فبدل ظهور تحالف واحد مغلق، قد تتجه المنطقة إلى شبكة من الشراكات الأمنية المتقاطعة، تتعاون فيها الدول في بعض المجالات وتختلف في مجالات أخرى. السعودية قد تتعاون مع الولايات المتحدة وتركيا وباكستان، وتركيا قد تجمع بين عضويتها في الناتو وشراكاتها مع دول الشرق الأوسط وآسيا، بينما يمكن لباكستان أن تجمع بين علاقاتها مع الصين وتركيا والسعودية. وفي هذا النموذج لا يعود السؤال هو «من داخل التحالف ومن خارجه؟»، وإنما «من يستطيع بناء أكبر شبكة من العلاقات والقدرات المتداخلة؟».

ومن زاوية الصناعات الدفاعية، يمكن أن تكون هذه النقطة أكثر أهمية من الجانب العسكري المباشر. فالسعودية تسعى إلى توطين صناعاتها الدفاعية، وتركيا تبحث عن أسواق وشراكات جديدة لصناعاتها، وباكستان تسعى إلى توسيع صادراتها الدفاعية وتطوير قدراتها الصناعية. ولذلك يمكن أن تتحول الاتفاقية إلى منصة لدفع مشاريع مشتركة في المركبات المدرعة والطائرات غير المأهولة والسفن والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والإلكترونيات، إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل ونقل التكنولوجيا.

لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الدول الثلاث على تجاوز مشكلة المنافسة بين الصناعات الوطنية. فالتعاون الصناعي الحقيقي لا يعني شراء منتجات دولة من دولة أخرى فقط، وإنما توزيع المهام الصناعية ونقل التكنولوجيا وخلق سلاسل توريد مشتركة وتحديد حقوق الملكية الفكرية والأسواق المستهدفة. وهذه عمليات معقدة، وقد تكون أصعب بكثير من توقيع اتفاقية دفاعية سياسية.

اختبار التحول من اتفاق سياسي إلى تحالف فعلي

وعلى المدى البعيد، يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره اختبارًا لنموذج جديد من الأمن الإقليمي. النموذج لا يستبدل بالضرورة الولايات المتحدة أو الناتو، ولا يؤسس تلقائيًا لتحالف عسكري متكامل، لكنه يمنح ثلاث دول رئيسية آلية سياسية لربط أمنها ببعضه بعضًا. وإذا تطورت هذه الآلية إلى تخطيط مشترك ومناورات وقواعد تشغيل وتبادل استخباراتي وصناعات دفاعية مشتركة، فإن تأثيرها سيصبح أكبر بكثير من نص الاتفاقية نفسه.

أما إذا بقيت دون هذه الطبقات، فستظل الاتفاقية ذات قيمة ردعية وسياسية، لكنها لن تتحول إلى قوة عسكرية موحدة. وهذا الفارق هو الذي يجب مراقبته خلال السنوات المقبلة. فالقوة الحقيقية لأي اتفاق دفاعي لا تقاس فقط بما يكتبه النص عن «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع»، وإنما بما تستطيع الدول الثلاث فعله خلال أول 24 أو 72 ساعة من وقوع أزمة، وبقدرتها على نقل القوات، ومشاركة المعلومات، وتشغيل أنظمة الدفاع الجوي، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على خطوط الإمداد، واتخاذ قرار سياسي سريع وموحد.

وبذلك يمكن القول إن اتفاق مكة لا يؤسس حتى الآن لـ«ناتو إسلامي»، لكنه قد يكون النواة الأولى لبنية أمنية إقليمية أكثر استقلالًا وتعددًا إذا تمكنت السعودية وتركيا وباكستان من تحويل الالتزام السياسي إلى قدرات مشتركة. وتكمن قوته الحالية في الجمع بين ثلاث نقاط يصعب تجاهلها: الموارد والوزن الجغرافي السعودي، والقاعدة الصناعية والقدرات العملياتية التركية، والعمق العسكري والاستراتيجي الباكستاني. أما نقطة ضعفه الرئيسية فتتمثل في اختلاف التهديدات والأولويات والجغرافيا، وغياب بنية قيادة عسكرية مشتركة واضحة حتى الآن.

والنتيجة الأكثر واقعية هي أن الاتفاقية تمثل انتقالًا من مرحلة الاعتماد شبه الكامل على ترتيبات أمنية ثنائية إلى محاولة بناء شبكة ردع متعددة الأطراف. وإذا استمرت السعودية وتركيا وباكستان في تطوير هذه الشبكة عبر المناورات والتخطيط المشترك والتعاون الصناعي والاستخباراتي والدفاع الجوي والبحري، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة تحولًا حقيقيًا في هندسة الأمن الإقليمي. أما إذا بقي التعاون عند مستوى البيانات السياسية، فسوف تظل الاتفاقية رسالة ردع مهمة، لكنها لن ترقى إلى مستوى التحالف العسكري المتكامل الذي توحي به بعض العناوين الإعلامية.

وفي الحالتين، فإن مجرد توقيع الاتفاقية في هذه اللحظة يحمل دلالة استراتيجية واضحة: دول المنطقة لم تعد تنظر إلى الأمن باعتباره ملفًا يمكن إدارته من خلال شريك خارجي واحد، وإنما بدأت تسعى إلى بناء شبكات متعددة المصادر تستطيع من خلالها توزيع المخاطر ورفع تكلفة التهديد وتعزيز هامش القرار الوطني. وهذا ربما يكون المعنى الأعمق لاتفاق مكة، والأكثر أهمية من المقارنة المباشرة بينه وبين الناتو.