في خطوة جديدة ضمن برنامج إعادة بناء وتحديث القدرات القتالية للقوات المسلحة الألمانية، أعلنت شركة Thales حصولها على عقد من المكتب الاتحادي الألماني للمعدات وتكنولوجيا المعلومات والدعم الفني للقوات المسلحة (BAAINBw) لتوريد 60 منظومة من رادارات ساحة المعركة قصيرة المدى Ground Observer 12 (GO12) إلى الجيش الألماني. ويشمل العقد كذلك معدات إضافية وقطع غيار وبرامج تدريب للمستخدمين، على أن تبدأ عمليات التسليم خلال عام 2026 اعتماداً على الطاقة الإنتاجية الموسعة للشركة في منشأتها بمدينة ديتسينغن الألمانية.
ويأتي هذا التعاقد في وقت تشهد فيه أوروبا أكبر عملية إعادة تسلح للقوات البرية منذ نهاية الحرب الباردة، مدفوعة بالدروس المستخلصة من الحرب الأوكرانية والتنامي المستمر للتهديدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة والاستطلاع الإلكتروني والمدفعية بعيدة المدى. وقد أصبحت أنظمة الرصد الأرضي التكتيكية إحدى الأولويات الرئيسية للعديد من الجيوش الأوروبية، بعدما أثبتت المعارك الحديثة أن امتلاك صورة دقيقة وفورية لساحة القتال لا يقل أهمية عن امتلاك الدبابات أو المدفعية أو أنظمة الدفاع الجوي.
ويُعد GO12 واحداً من أحدث الرادارات التكتيكية التي تنتجها Thales، حيث يجمع بين مهام الاستطلاع الأرضي وتحديد مواقع مصادر النيران ورصد الأهداف الجوية منخفضة الارتفاع ضمن منظومة واحدة. وتم تصميم النظام خصيصاً لدعم القوات عالية الحركة والوحدات الأمامية التي تحتاج إلى وسائل مراقبة متقدمة دون الاعتماد على بنية تحتية ثقيلة أو منصات كبيرة الحجم.
ويتميز الرادار بقدرته على تغطية محيط كامل بزاوية 360 درجة، ما يسمح له بكشف وتتبع مجموعة واسعة من الأهداف تشمل الطائرات المسيّرة والمركبات العسكرية والأفراد والمروحيات. ويعمل النظام ضمن نطاق Ku-Band المعروف بفعاليته في اكتشاف الأهداف الصغيرة نسبياً، وهي ميزة أصبحت بالغة الأهمية في عصر الطائرات المسيّرة التجارية والعسكرية التي تعتمد على بصمات رادارية منخفضة.
وتشير البيانات الفنية إلى أن الرادار قادر على اكتشاف الأفراد المترجلين على مسافات تصل إلى 8 كيلومترات، بينما يستطيع رصد المركبات والمروحيات على مسافات تصل إلى 16 كيلومتراً مع تحديد مواقعها بدقة عالية. كما يحافظ على فعاليته في ظروف الرؤية المحدودة والأحوال الجوية القاسية، بما في ذلك الضباب والأمطار الغزيرة والثلوج، وهي ظروف غالباً ما تحد من فعالية الكاميرات والطائرات المسيّرة المخصصة للاستطلاع.
وتبرز إحدى أهم مزايا GO12 في قابليته العالية للحركة والانتشار السريع. فالرادار صُمم ليكون جزءاً من تجهيزات المشاة والوحدات المتقدمة، حيث لا يتجاوز حجم وحدة الاستشعار 28 لتراً ويمكن حملها داخل حقيبة ظهر بواسطة جنديين إلى جانب تجهيزاتهما الشخصية. كما يستطيع مشغل واحد نشر النظام وتشغيله خلال دقيقتين فقط، وهو عامل حاسم في بيئات القتال الحديثة التي تتطلب مرونة وسرعة استجابة كبيرة.
ويتكون النظام من وحدة استشعار ورادار وحاسوب تحكم محمول وحامل ثلاثي وكابلات تشغيل وبطاريات توفر نحو ست ساعات من العمل المتواصل. كما يمتلك واجهة اتصال Ethernet تسمح بدمجه بسهولة ضمن شبكات القيادة والسيطرة العسكرية ونقل البيانات عبر أي شبكة تعتمد بروتوكولات الإنترنت، ما يتيح تبادل المعلومات بصورة فورية بين الوحدات القتالية المختلفة.
يمنح GO12 الجيش الألماني قدرة متقدمة على اكتشاف التهديدات قبل وصولها إلى مدى الاشتباك. ففي الحرب الأوكرانية، أثبتت الطائرات المسيّرة الصغيرة أنها قادرة على تغيير مسار المعارك عبر توجيه نيران المدفعية أو تنفيذ هجمات مباشرة ضد القوات والمعدات. ولذلك أصبح الكشف المبكر عن هذه التهديدات عاملاً حاسماً في حماية الوحدات البرية وتقليل الخسائر.
كما يوفر الرادار قدرة مهمة على تحديد مواقع مصادر النيران المعادية، وهي وظيفة اكتسبت أهمية استثنائية مع عودة المدفعية الثقيلة إلى قلب العمليات العسكرية واسعة النطاق. فكلما أمكن تحديد موقع المدفعية المعادية بسرعة أكبر، ازدادت فرص تنفيذ نيران مضادة فعالة وإسكات مصادر التهديد قبل أن تحقق تأثيراً كبيراً على القوات الصديقة.
ويحمل العقد أيضاً بعداً صناعياً مهماً بالنسبة لشركة Thales. فمع تصاعد الطلب الأوروبي على أنظمة الاستشعار والرادارات العسكرية، أعلنت الشركة عن توسيع قدراتها الإنتاجية في ألمانيا، بما في ذلك تطوير منشأتها في ديتسينغن وزيادة عدد العاملين فيها. كما تخطط الشركة لتوظيف نحو 300 موظف إضافي داخل ألمانيا خلال عام 2026 لمواكبة الزيادة في الطلب على منتجاتها الدفاعية.
يعكس هذا التعاقد تحولاً متزايداً في أولويات الجيوش الأوروبية من التركيز على العمليات الخارجية ومهام مكافحة التمرد إلى الاستعداد لصراعات عالية الكثافة ضد خصوم يمتلكون قدرات متقدمة في مجالات المدفعية والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الرادارات التكتيكية المتحركة عنصراً أساسياً في بناء الوعي الميداني وتوفير الإنذار المبكر للقوات المنتشرة على الخطوط الأمامية.
كما يعزز العقد مكانة Thales داخل سوق الرادارات التكتيكية العالمية، وهي سوق تشهد نمواً سريعاً نتيجة التوسع الكبير في استخدام المسيّرات والأنظمة غير المأهولة. فالدول لم تعد تبحث فقط عن رادارات بعيدة المدى أو أنظمة إنذار استراتيجية، بل باتت تحتاج بصورة متزايدة إلى حلول صغيرة ومتحركة وقادرة على العمل مباشرة مع وحدات المشاة والقوات البرية.
إن طلب ألمانيا 60 راداراً من طراز GO12 لا يمثل مجرد صفقة معدات جديدة، بل يعكس اتجاهاً أوسع داخل القوات المسلحة الأوروبية نحو الاستثمار في تقنيات الاستشعار والاستخبارات الميدانية. فالحروب الحديثة أثبتت أن القدرة على اكتشاف العدو أولاً وفهم ما يحدث في ساحة المعركة بشكل أسرع أصبحت عاملاً حاسماً لتحقيق التفوق القتالي، وهو ما يجعل رادارات مثل GO12 إحدى الأدوات الأساسية في تشكيل الجيل القادم من القدرات البرية الأوروبية.