في خطوة استراتيجية تعكس تسارع وتيرة التحديث العسكري في القارة الأوروبية، أعلنت وزارة الدفاع الإيطالية رسمياً عن بدء مراسم تسلم وقبول الدفعات الأولى من المكونات التقنية والمعدات الخاصة بنظام الدفاع الجوي الصاروخي من الجيل الجديد SAMP/T NG (New Generation)، بالإضافة إلى منظومة GRIFO للدفاع الجوي قصير المدى. وقد جرت مراسم التسليم في ثكنة "سانتا باربرا" بمدينة سابوديا، المقر الرئيسي لقيادة مدفعية الدفاع الجوي التابعة للجيش الإيطالي (COMACA)، بحضور رفيع المستوى يتقدمهم رئيس أركان الجيش الإيطالي، الفريق أول Carmine Masiello.
يعود تاريخ الانطلاقة الفعلية لهذا البرنامج الطموح إلى مارس 2021، حين وقعت إيطاليا وفرنسا اتفاقية لتطوير نسخة "الجيل الجديد" من نظام SAMP/T لمواجهة التهديدات الجوية المتزايدة والتعقيد المتصاعد في تكنولوجيا الصواريخ الباليستية والجوّالة. وفي يناير 2023، تم إبرام عقد ضخم بقيمة تقارب 2 مليار دولار عبر منظمة التعاون التسليحي المشترك (OCCAR) لتأمين إنتاج صواريخ Aster وتطوير الأنظمة، تلاه تعاقدات إضافية في فبراير 2024 لتعزيز حصة الجيش الإيطالي بعشر بطاريات كاملة من طراز SAMP/T NG.
تأتي هذه التسليمات في وقت حرج، حيث تسعى إيطاليا لتعويض الفجوات الدفاعية التي نتجت عن نقل بعض أنظمة الدفاع الجوي السابقة إلى أوكرانيا، وضمان استعادة كامل قدراتها العملياتية بحلول عام 2026، وهو الموعد المقرر لدخول النظام الخدمة الفعلية بعد إتمام مراحل التقييم العملياتي.
يُعد نظام SAMP/T NG، الذي تنتجه مجموعة EUROSAM (وهي مشروع مشترك بين شركات MBDA Italy و MBDA France و Thales)، قفزة تقنية هائلة مقارنة بالنسخ السابقة. وتبرز القوة الضاربة للنظام من خلال مكونين رئيسيين:
- صاروخ Aster 30 B1NT: يمثل هذا الصاروخ العمود الفقري للمنظومة، حيث تم تزويده بباحث راداري جديد يعمل بنطاق Ka-band، مما يمنحه دقة متناهية في تعقب وتدمير الأهداف ذات البصمة الرادارية المنخفضة. وتصل سرعة الصاروخ إلى Mach 4.5، مع مدى اعتراض يتجاوز 150 كيلومتراً، وقدرة فريدة على اعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى التي يصل مداها إلى 1500 كيلومتر.
- رادار Kronos Grand Mobile High Power: من إنتاج شركة Leonardo الإيطالية، وهو رادار رقمي يعتمد على تقنية نتريد الغاليوم (GaN)، قادر على كشف التهديدات من مسافة تزيد عن 350 كيلومتراً وتتبع أكثر من 1000 هدف في آن واحد، مما يوفر تغطية شاملة بزاوية 360 درجة.
أما منظومة GRIFO، فتعتمد على صواريخ CAMM-ER من إنتاج MBDA، لتعمل كمظلة دفاعية قصيرة المدى مكملة لـ SAMP/T NG، مما يخلق شبكة دفاعية طبقية متكاملة قادرة على صد هجمات الطائرات بدون طيار (Drones)، وصواريخ الكروز، والمقاتلات الحديثة.
تتجاوز أهمية هذه الصفقة مجرد تحديث العتاد؛ فهي تمثل إعلان استقلال استراتيجي أوروبي في قطاع الدفاع الجوي عالي التقنية. لسنوات طويلة، ظل نظام Patriot الأمريكي هو الخيار الوحيد والمسيطر في حلف الناتو، لكن نجاح إيطاليا وفرنسا في دفع SAMP/T NG إلى مرحلة الإنتاج الكمي والتسليم يمنح الدول الأوروبية بديلاً وطنياً متطوراً لا يخضع لقيود تنظيمات التجارة الدولية للأسلحة الأمريكية (ITAR).
استراتيجياً، يعزز هذا النظام مفهوم "منع الوصول والتحريم المساحي" (A2/AD)، حيث يمنح الجيش الإيطالي القدرة على حماية البنى التحتية الحيوية والمراكز الحضرية والوحدات العسكرية المتنقلة من التهديدات المتطورة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية التي تقوم بمناورات في مرحلة الهبوط. إن امتلاك إيطاليا لهذا النظام يجعلها ركيزة أساسية في أمن الجناح الجنوبي لحلف الناتو ومركزاً تكنولوجياً لإنتاج الجيل القادم من الدفاعات الصاروخية.
من المتوقع أن يغير دخول SAMP/T NG الخدمة في إيطاليا قواعد اللعبة في سوق السلاح العالمي. فبعد قرار الدنمارك مؤخراً باختيار هذا النظام بصفقة ضخمة تجاوزت 7.7 مليار يورو، واهتمام دول أخرى مثل لوكسمبورغ، يبرز النظام كأقوى منافس لـ Next-Generation Patriot.
إن النجاح في دمج رادارات Leonardo وتقنيات Thales مع صواريخ MBDA تحت مظلة EUROSAM يثبت قدرة الصناعة الدفاعية الأوروبية على الابتكار الجماعي. سيوفر هذا النظام ميزة تنافسية كبرى بفضل تكاليف تشغيله المنخفضة نسبياً مقارنة بنظرائه، وقدرته العالية على التكامل مع أنظمة الناتو القيادية، وسهولة نشره (حيث يتطلب طاقماً محدوداً جداً للإدارة).