في إطار سعيها الحثيث لمواجهة تهديدات الطائرات بدون طيار المتزايدة، بدأت القوات البرية الأمريكية في مايو 2026 اختبارات ميدانية مكثفة لنظام دفاع جوي ثوري يعتمد على "الموجات الدقيقة عالية الطاقة". ويمثل هذا النظام، المعروف باسم Leonidas والذي طورته شركة Epirus بالتعاون مع General Dynamics Land Systems، قفزة نوعية في تكنولوجيا الدفاع الجوي قصيرة المدى، حيث يقدم حلاً جذرياً لمشكلة "استنزاف الذخيرة" في مواجهة أسراب الدرونات الانتحارية الرخيصة.
يعتمد نظام Leonidas على إطلاق نبضات كهرومغناطيسية مركزة تستهدف المكونات الإلكترونية الحساسة داخل الطائرات بدون طيار، مما يؤدي إلى تعطيل دوائر التحكم أو حرق أنظمة الملاحة والاتصال، مما يسقط الطائرة فوراً دون الحاجة إلى إصابة بدنية مباشرة. تم دمج هذا النظام على منصة المدرعة الشهيرة Stryker، مما يمنحه حركية عالية تتيح له مرافقة الوحدات المدرعة وتوفير مظلة حماية فورية أثناء التحرك.
تكمن الميزة الاستراتيجية الكبرى لهذا النظام في قدرته على التعامل مع "أسراب الدرونات"؛ فبينما تقتصر الأنظمة الصاروخية التقليدية على عدد محدد من الطلقات وتحتاج لوقت لإعادة التذخير، يمكن لنظام Leonidas إطلاق سيل مستمر من الموجات الدقيقة التي تغطي زوايا واسعة، مما يجعله قادراً على تحييد عشرات الدرونات في ثوانٍ معدودة وبتكلفة تشغيلية تقترب من الصفر لكل طلقة، مقارنة بالصواريخ التي تكلف مئات الآلاف من الدولارات.
تأتي الاختبارات لتركز على دمج Leonidas ضمن شبكة الدفاع الجوي المتكاملة للجيش الأمريكي (Integrated Air and Missile Defense - IAMD). الهدف هو إنشاء طبقة دفاعية قوية تتخصص في التعامل مع التهديدات من الفئتين الأولى والثانية (الدرونات الصغيرة والانتحارية)، مما يترك الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن للتعامل مع التهديدات الأكبر مثل الصواريخ الباليستية أو الطائرات المقاتلة.
يتميز النظام بقدرته على تمييز الأهداف الصديقة من المعادية عبر برمجيات ذكاء اصطناعي متطورة، مما يقلص مخاطر النيران الصديقة في بيئات القتال المعقدة. كما أن كونه نظاماً "خالياً من الذخيرة" يزيل أعباء لوجستية ثقيلة عن كاهل القادة الميدانيين، حيث لا يحتاج النظام إلا لمصدر طاقة قوي (مولدات مدمجة) ليستمر في العمل لساعات طويلة دون انقطاع.
تضع هذه الخطوة شركات مثل Epirus وGeneral Dynamics في مقدمة الموردين العالميين لحلول مكافحة الدرونات. ومن المتوقع أن يتجه سوق الدفاع العالمي نحو الاستثمار الكثيف في أنظمة الليزر والميكروويف، مما يقلص حصة الشركات المصنعة للذخائر التقليدية في هذا القطاع بالتحديد.
لعقد من الزمان، كانت الدرونات الرخيصة (مثل Shahed) تمثل كابوساً اقتصادياً للجيوش النظامية بسبب "عدم تماثل التكلفة". نظام Leonidas يعيد التوازن لصالح الأنظمة الدفاعية، حيث يصبح الدفاع الآن أرخص بكثير من الهجوم، مما قد يغير عقيدة الدول التي تعتمد على الدرونات كوسيلة استنزاف رخيصة.
يعكس النظام قدرة فائقة على تصغير وحدات توليد الطاقة الكهرومغناطيسية لتوضع على مركبات تكتيكية. هذا التفوق التقني الأمريكي سيجبر القوى المنافسة مثل الصين وروسيا على تسريع وتيرة أبحاثها في مجال الحماية الكهرومغناطيسية (EM Shielding) لمحاولة حماية دروناتها من هذه الموجات القاتلة.
من المنظور الاستراتيجي، يمثل نظام الميكروويف المتنقل بداية عصر "الدفاع الجوي المستدام". إن القدرة على الصمود أمام هجوم سرب مكون من 50 أو 100 درون دون القلق بشأن "نفاذ المخزون" تعيد الثقة للقوات البرية في المناطق الساخنة.
علاوة على ذلك، فإن اختبار هذا النظام يبعث برسالة مفادها أن التفوق التكنولوجي الأمريكي لم يعد يقتصر على القوة التدميرية فقط، بل على "الذكاء الاقتصادي" في القتال. إن نظاماً مثل Leonidas لا يحمي الأرواح والمعدات فحسب، بل يحمي ميزانيات الدفاع من الاستنزاف، مما يجعله السلاح الأهم في حروب الاستنزاف الطويلة المتوقعة في العقد القادم.