في خطوة استراتيجية تعكس تسارع سباق التسلح التكنولوجي في المنطقة، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عن نجاح سلسلة من الاختبارات المعقدة والموسعة لنظام الدفاع الجوي المتقدم David's Sling، والمعروف أيضاً باسم "مقلاع داود". هذه التجارب، التي نُفذت بالتعاون الوثيق بين Israel Missile Defense Organization (IMDO) و U.S. Missile Defense Agency (MDA)، وبقيادة شركة Rafael Advanced Defense Systems، لم تكن مجرد تحديثات روتينية، بل مثلت "طفرة نوعية" في القدرة التدميرية والدقة العملياتية للنظام، مما يفتح آفاقاً جديدة في مفهوم الحروب الدفاعية متعددة الطبقات.
شهد الربع الأخير من عام 2025 وبداية عام 2026 تحولاً جذرياً في وتيرة الإنتاج والتعاون الصناعي المتعلق بهذا النظام. ففي نوفمبر 2025، وقعت وزارة الدفاع الإسرائيلية عقداً بمليارات الدولارات مع شركة Rafael Advanced Defense Systems لزيادة الإنتاج المتسلسل لصواريخ Stunner الاعتراضية. هذا العقد يرتكز بشكل أساسي على حزمة المساعدات الأمريكية التي أُقرت في أبريل 2024 بقيمة 8.7 مليار دولار، خُصص منها 5.2 مليار دولار حصرياً لتعزيز منظومات الدفاع الجوي، وعلى رأسها David's Sling ونظام Iron Dome والجيل القادم من سلاح الليزر Iron Beam.
التطور الأبرز في هذا التعاون تجلى في تفعيل الشراكة الإنتاجية مع العملاق الأمريكي Raytheon، حيث بدأت منشآت التصنيع في الولايات المتحدة، وتحديداً في منشأة "كامدن" بولاية أركنساس، في إنتاج مكونات رئيسية لصواريخ Stunner. هذا التكامل الصناعي يضمن استدامة الإمدادات ورفع القوة النارية للنظام لمواجهة سيناريوهات "الهجمات الموجية" المكثفة التي تشمل مئات الصواريخ والطائرات المسيرة في آن واحد.
استهدفت الاختبارات الأخيرة، التي اختتمت بنجاح في منتصف فبراير 2026، التحقق من قدرة David's Sling على اعتراض أهداف باليستية ومجنحة (Cruise Missiles) وطائرات بدون طيار (UAVs) بمسارات طيران غير تقليدية. تم دمج برمجيات معالجة بيانات متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين قدرة الصاروخ الاعتراضي Stunner على التمييز بين الأهداف الحقيقية والتمويهية في بيئات مشبعة بالتشويش الإلكتروني.
ويعمل David's Sling كطبقة متوسطة حاسمة في هندسة الدفاع الجوي الإسرائيلي؛ حيث يسد الفجوة بين نظام Iron Dome المخصص للمدايات القصيرة، ونظام Arrow 3 المصمم لصد الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي. وبفضل المدى العملياتي الذي يصل إلى 300 كيلومتر والقدرة على العمل في كافة الظروف الجوية، أصبح النظام العمود الفقري لحماية المنشآت الاستراتيجية والمراكز السكانية من الصواريخ التكتيكية بعيدة المدى.
تأتي هذه التعزيزات في القوة النارية لنظام David's Sling كرسالة ردع استراتيجية موجهة للقوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران ووكلائها. إن زيادة مخزون الصواريخ الاعتراضية وتطوير قدرتها على المناورة (Super-maneuverability) يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن الحروب القادمة لن تُحسم فقط بتفوق سلاح الجو الهجومي، بل بمدى صمود "الدرع الجوي" أمام استراتيجية "إغراق المنظومات" التي تنتهجها الأطراف المنافسة.
يمنح تطوير David's Sling لصناع القرار في تل أبيب مساحة أكبر للمناورة؛ فكلما زادت كفاءة الاعتراض، تراجعت احتمالية وقوع خسائر جسيمة في الجبهة الداخلية، مما يقلل الضغوط الشعبية والسياسية للقيام بعمليات برية واسعة أو ضربات انتقامية غير محسومة العواقب. إنها عملية تحويل "الدفاع" إلى "أداة ردع" سياسية وعسكرية فاعلة.
يضع نجاح David's Sling شركة Rafael Advanced Defense Systems وشريكتها Raytheon في مركز الصدارة ضمن سوق الدفاع الجوي العالمي الذي يشهد نمواً هائلاً نتيجة الحرب في أوكرانيا والتوترات في بحر الصين الجنوبي. إن "الاختبار القتالي" (Combat Proven) الذي مر به النظام في مواجهة تهديدات حقيقية ومتنوعة يعطيه ميزة تنافسية كبرى على أنظمة مثل Patriot الأمريكية أو SAMP/T الأوروبية.
لقد بدأت بالفعل دول في حلف شمال الأطلسي (NATO) - مثل فنلندا التي أبرمت صفقة شراء للنظام بقيمة 317 مليون يورو - في النظر إلى David's Sling كحل مثالي لمواجهة الصواريخ الجوالة والباليستية قصيرة المدى. إن التوسع في الإنتاج المشترك بين إسرائيل والولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى خفض التكلفة الرأسمالية للوحدة الواحدة، مما يجعل النظام متاحاً لمزيد من الحلفاء الدوليين، ويؤسس لمعيار تكنولوجي جديد في الصناعات الدفاعية يعتمد على "القتل الاصطدامي" (Hit-to-Kill) بدون الحاجة لرؤوس حربية متفجرة ضخمة، وهو ما يمثل مستقبل اعتراض الصواريخ فائق الدقة.