وقعت وزارة الدفاع الهندية صفقة استراتيجية بقيمة $47M (ما يعادل 445 كرور روبية) مع شركة JSC Rosoboronexport الروسية، للاستحواذ على دفعات إضافية ومطورة من منظومات الدفاع الجوي ذاتي الحركة 2K22 Tunguska. تأتي هذه الاتفاقية، التي تم إبرامها في "كارتيا باوان" بنيودلهي بحضور سكرتير الدفاع Rajesh Kumar Singh، لتسد ثغرة حيوية في قدرات الدفاع الجوي قصير المدى (SHORAD) للجيش الهندي، في وقت باتت فيه الطائرات بدون طيار والانتحارية تمثل التهديد الأكبر للتشكيلات المدرعة وخطوط الإمداد الأمامية.
تعد منظومة Tunguska (المعروفة لدى الناتو بلقب SA-19 Grison) واحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي فتكاً في فئتها، بفضل تصميمها "الهجين" الذي يجمع بين القوة النارية للمدافع الرشاشة والدقة التوجيهية للصواريخ على منصة واحدة مجنزرة. وتتميز النسخة التي تعاقدت عليها الهند بالمواصفات التالية:
- التسليح المزدوج: تضم المنظومة مدفعين رشاشين من طراز 2A38M عيار 30mm، قادرين على إطلاق ما يصل إلى 5,000 طلقة في الدقيقة، مما يخلق جداراً نارياً لا يمكن اختراقه للمهداف المنخفضة.
- القدرة الصاروخية: تم تزويدها بثمانية صواريخ من طراز 9M311 الموجهة بالراديو، والتي يمكنها اعتراض الأهداف الجوية على مسافة تصل إلى 10km وارتفاعات تصل إلى 3.5km.
- الرصد والتعقب: تمتلك المنظومة راداراً مستقلاً للبحث والتعقب بزاوية 360°، مما يسمح لها باكتشاف الأهداف والاشتباك معها أثناء الحركة، وهو أمر بالغ الأهمية لحماية القوات الصديقة أثناء التقدم العملياتي.
تأتي هذه الصفقة ضمن حزمة أوسع أقرها مجلس الاستحواذ الدفاعي (DAC) برئاسة وزير الدفاع Rajnath Singh، والتي شملت استثمارات دفاعية ضخمة تجاوزت $25B. ويحمل توقيت التعاقد على Tunguska دلالات استراتيجية تتجاوز مجرد الشراء العسكري:
- دروس الحرب الحديثة: استوعبت نيودلهي دروس النزاعات الأخيرة في أوروبا والشرق الأوسط، حيث أثبتت الطائرات المسيرة الرخيصة (Drones) والذخائر المتسكعة (Loitering Munitions) قدرتها على شل حركة جيوش تقليدية كاملة. منظومة Tunguska بدمجها للمدافع والصواريخ توفر حلاً اقتصادياً وعملياً؛ حيث تُستخدم المدافع لإسقاط المسيرات الصغيرة (لحفظ التكلفة)، بينما تُخصص الصواريخ للأهداف الأكبر والأسرع.
- التوازن في العلاقات الدولية: رغم الضغوط الغربية المتزايدة، تؤكد هذه الصفقة أن موسكو لا تزال "الشريك الدفاعي الموثوق" للهند. ففي نفس اليوم الذي وقعت فيه الهند عقداً مع شركة Boeing India لصيانة طائرات الاستطلاع البحري P-8I Poseidon، كانت توقع مع الروس صفقة Tunguska، مما يجسد سياسة "الاستقلال الاستراتيجي" الهندية.
- تأمين الحدود المتنازع عليها: من المرجح أن يتم نشر هذه المنظومات على طول "خط السيطرة الفعلية" (LAC) مع الصين ومرتفعات كشمير، حيث تتطلب التضاريس الجبلية أنظمة دفاعية عالية الحركة وقادرة على التعامل مع الأهداف التي تظهر فجأة خلف التضاريس.
تعد صفقة Tunguska جزءاً من "فسيفساء" الدفاع الجوي الهندي متعدد الطبقات. فبينما تتولى منظومات S-400 Triumf الروسية حماية الأجواء من التهديدات الاستراتيجية بعيدة المدى، وتعمل منظومات Akash المحلية على المدى المتوسط، تأتي Tunguska لتكون "خط الدفاع الأخير" والمباشر للقوات البرية.
هذا التحرك يرسل رسالة واضحة للقوى الإقليمية المنافسة بأن العمق العملياتي للجيش الهندي لم يعد مستباحاً أمام تكنولوجيا الدرونات. كما أن امتلاك الهند لمنظومة مجربة قتالياً ومحدثة تكنولوجياً يقلل من احتمالية نجاح استراتيجيات "التشبع الجوي" التي قد يعتمدها الخصوم في أي نزاع مستقبلي.
إن تعاقد الهند على منظومات Tunguska يمثل تزاوجاً بين العراقة الميكانيكية الروسية والحاجة العملياتية الهندية الحديثة. إنها ليست مجرد صفقة سلاح، بل هي إعلان عن جاهزية نيودلهي لخوض حروب القرن الحادي والعشرين بوعي تام بتحدياتها. ومن خلال الحفاظ على توازن دقيق بين التقنية الشرقية والغربية، تضع الهند نفسها كقوة عسكرية رائدة قادرة على حماية سيادتها في عالم تزداد سماؤه ازدحاماً بالتهديدات غير التقليدية.