أخبار: اليابان تطور منظومة دفاع جوي جديدة لمواجهة تهديدات الصواريخ والمسيّرات

تعمل اليابان على تطوير منظومة دفاع جوي جديدة متعددة الطبقات بهدف تعزيز قدرتها على مواجهة الطيف المتزايد من التهديدات الجوية، في إطار توجه أوسع لإعادة بناء قدرات الدفاع الجوي والصاروخي اليابانية بما يتناسب مع بيئة أمنية تتسم بتطور الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات غير المأهولة. ويعكس المشروع انتقال طوكيو تدريجيا من الاعتماد على منظومات منفصلة إلى بناء شبكة دفاعية أكثر تكاملا قادرة على رصد الأهداف الجوية وتعقبها والتعامل معها ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة.

ويأتي تطوير هذه المنظومة في وقت تعمل فيه اليابان على رفع مستوى جاهزية قوات الدفاع الذاتي الجوية والبرية، في ظل تصاعد الاهتمام بالتهديدات الجوية والصاروخية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتمثل الجغرافيا اليابانية تحديا إضافيا، إذ تنتشر الجزر اليابانية على مساحة بحرية واسعة، ما يفرض الحاجة إلى توزيع منظومات الدفاع الجوي على مناطق متعددة وربطها بشبكات استشعار واتصالات تسمح بتبادل المعلومات بصورة مستمرة.

وتسعى اليابان من خلال المنظومة الجديدة إلى تعزيز قدرتها على التعامل مع التهديدات التي يصعب اعتراضها باستخدام منظومات الدفاع الجوي التقليدية وحدها. وتشمل هذه التهديدات الطائرات المسيّرة الصغيرة، والصواريخ الجوالة، والطائرات المأهولة، إلى جانب أهداف جوية أخرى قد تستخدم التحليق المنخفض أو المناورة لتقليل فرص اكتشافها واعتراضها.

وتكمن أهمية المشروع في محاولة دمج عدة طبقات من الدفاع ضمن بنية واحدة، بحيث تبدأ عملية الاشتباك من مرحلة الكشف المبكر وتحديد هوية الهدف، ثم تمر بمرحلة التتبع وتقييم مستوى التهديد، قبل اختيار وسيلة الاعتراض المناسبة. ويتيح هذا النهج توزيع الأهداف على وسائل مختلفة وفقا لنوعها ومدى خطورتها، بدلا من استخدام صاروخ اعتراض مرتفع التكلفة ضد كل هدف جوي بغض النظر عن قيمته أو طبيعته.

ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة مع الانتشار السريع للطائرات غير المأهولة منخفضة التكلفة، التي أصبحت قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم وإرباك شبكات الدفاع الجوي. فقد أثبتت العمليات العسكرية الحديثة أن استخدام أعداد كبيرة من المسيّرات يمكن أن يفرض ضغطا كبيرا على المدافع، خصوصا عندما تضطر منظومات الدفاع الجوي إلى استخدام صواريخ مرتفعة التكلفة لاعتراض أهداف رخيصة نسبيا.

ولهذا السبب تتجه اليابان إلى تطوير حلول يمكنها تحقيق توازن أفضل بين تكلفة الاعتراض وقيمة الهدف. ويعني ذلك أن الدفاع الجوي المستقبلي لن يعتمد فقط على الصواريخ الاعتراضية، وإنما سيحتاج إلى مجموعة متنوعة من وسائل التأثير تشمل الحرب الإلكترونية، والمدافع المضادة للطائرات، والوسائل الحركية منخفضة التكلفة، إلى جانب الصواريخ التقليدية بعيدة المدى.

ويأتي المشروع أيضا في سياق جهود اليابان لتحديث منظومة القيادة والسيطرة، بحيث تستطيع القوات الجوية والبرية والبحرية مشاركة بيانات الاستشعار في الوقت الحقيقي. وتعد القدرة على دمج المعلومات القادمة من الرادارات والطائرات والقطع البحرية والمستشعرات الأرضية عاملا حاسما في مواجهة التهديدات الحديثة، لأن سرعة اكتشاف الهدف واتخاذ القرار قد تكون في بعض الحالات أهم من مدى الصاروخ المستخدم لاعتراضه.

وتتجه اليابان بصورة متزايدة إلى مفهوم الدفاع الجوي الشبكي، الذي يسمح بتحويل مختلف المستشعرات والمنظومات إلى شبكة واحدة بدلا من تشغيل كل منظومة بصورة مستقلة. وفي هذا النموذج، يمكن لرادار موجود في منطقة ما اكتشاف هدف، بينما تقوم منظومة أخرى بعيدة نسبيا بإطلاق صاروخ الاعتراض بناء على بيانات الهدف التي وصلت إليها عبر شبكة القيادة والسيطرة.

وتتيح هذه القدرة توسيع نطاق التغطية وتقليل الفجوات بين منظومات الدفاع، كما تساعد على مواجهة أهداف تستخدم التضاريس أو الارتفاعات المنخفضة لتجنب الرصد. وفي حالة اليابان، تزداد أهمية هذا المفهوم بسبب طبيعة الجزر والممرات البحرية، حيث يمكن أن تقترب التهديدات الجوية من مناطق مأهولة أو منشآت عسكرية قبل وقت قصير نسبيا من لحظة الاشتباك.

ويرتبط المشروع كذلك بالتحولات التي تشهدها العقيدة الدفاعية اليابانية. فقد بدأت طوكيو خلال السنوات الأخيرة في زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع قدرات الردع والاستطلاع والهجوم بعيد المدى، مع التركيز على ضمان قدرة قوات الدفاع الذاتي على التعامل مع تهديدات متزامنة ومتعددة المصادر. وفي هذا السياق، يصبح الدفاع الجوي والصاروخي أحد العناصر المركزية في حماية القواعد الجوية والموانئ ومراكز القيادة والمنشآت الحيوية.

وتتجه اليابان كذلك إلى الاستفادة من التطورات في الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات بهدف تسريع عملية التعرف على الأهداف وتحديد الأولويات. ويمكن للأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحليل كميات كبيرة من بيانات الرادارات والمستشعرات وتقديم توصيات للمشغلين حول طبيعة الهدف ومساره ومستوى التهديد، وهو ما يقلل الوقت المطلوب لاتخاذ القرار في بيئة جوية شديدة التعقيد.

لكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الدفاع الجوي لا يعني الاستغناء عن العنصر البشري، وإنما يهدف إلى تخفيف العبء الواقع على أطقم العمليات، خصوصا عندما تواجه المنظومة عددا كبيرا من الأهداف في وقت واحد. وتصبح هذه القدرة أكثر أهمية في سيناريوهات الهجمات المتزامنة التي قد تستخدم فيها الصواريخ والمسيّرات والطائرات معا بهدف إغراق شبكة الدفاع.