أعلنت وزارة الدفاع البلجيكية عن قرار استراتيجي بنشر منظومة الدفاع الجوي المتقدمة NASAMS (التي تنتجها شراكة بين Kongsberg Defence & Aerospace النرويجية و Raytheon الأمريكية) لحماية ميناء "أنتويرب-بروج". هذا التحرك العسكري، الذي يأتي ضمن خطة تحديث شاملة للقدرات الدفاعية البلجيكية لعام 2026، يهدف إلى إنشاء مظلة حماية جوية فوق واحد من أهم الشرايين الاقتصادية واللوجستية في العالم، والذي يمثل بوابة التجارة الرئيسية للاتحاد الأوروبي ونقطة ارتكاز حيوية لإمدادات حلف الناتو.
تعد هذه الخطوة جزءاً من "رؤية 2030" الدفاعية التي تتبناها بروكسل، حيث سيتم دمج بطاريات NASAMS 3 (الجيل الأحدث من المنظومة) ضمن شبكة الدفاع الجوي المتكاملة للبلاد. ولا تقتصر الصفقة على المنصات القتالية فحسب، بل تشمل رادارات AN/MPQ-64 Sentinel المتطورة، ومراكز قيادة وسيطرة رقمية، ومخزوناً استراتيجياً من صواريخ AMRAAM و AIM-9X Sidewinder، مما يمنح القوات المسلحة البلجيكية القدرة على اعتراض الطائرات المسيرة، وصواريخ كروز، والطائرات المقاتلة بدقة متناهية.
تعتبر منظومة NASAMS (National Advanced Surface-to-Air Missile System) الخيار المفضل لأكثر من 13 دولة حول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تستخدمها لحماية الأجواء فوق البيت الأبيض. وتتميز النسخة التي ستحصل عليها بلجيكا بـ "الهيكلية المفتوحة" التي تسمح بدمج أنواع مختلفة من الصواريخ وأجهزة الاستشعار، مما يسهل عمليات التحديث المستقبلية.
تعتمد المنظومة على تكنولوجيا رادارية قادرة على تتبع عشرات الأهداف في آن واحد في بيئة "مشوشة" إلكترونياً، وهو أمر حيوي لمنطقة مثل ميناء أنتويرب المزدحم بحركة السفن والطائرات المدنية. بفضل نظام الربط البياني Link 16، ستتمكن الوحدات البلجيكية من تبادل بيانات الأهداف لحظياً مع طائرات F-35 Lightning II البلجيكية وسفن الناتو في بحر الشمال، مما يخلق وعياً ظرفياً شاملاً يمنع أي اختراق جوي محتمل.
من الناحية الجيوسياسية، لا يمكن الاستهانة بأهمية هذا الانتشار؛ فميناء أنتويرب ليس مجرد مرفأ تجاري، بل هو "بنية تحتية سيادية" لا يمكن لأوروبا الاستغناء عنها. في ظل تزايد تهديدات "الحروب الهجينة" واستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية في النزاعات الحديثة، أصبح تأمين المراكز اللوجستية الكبرى أولوية تعادل تأمين القواعد العسكرية.
إن نشر NASAMS يبعث برسالة واضحة مفادها أن بلجيكا، وبالتنسيق مع حلفائها، لن تسمح بوجود أي ثغرات في "جدار الدفاع الغربي". كما أن اختيار موقع أنتويرب يعكس إدراكاً استراتيجياً لكون الموانئ هي الأهداف الأكثر عرضة للتعطيل في حالات الصراع، حيث يؤدي أي هجوم عليها إلى شلل تام في سلاسل التوريد العالمية واهتزاز الأسواق المالية الأوروبية.
يعزز هذا العقد مكانة تحالف Kongsberg-Raytheon كمسيطر شبه مطلق على فئة الدفاع الجوي متوسط المدى في أوروبا. نجاح NASAMS في بلجيكا يمثل ضربة للمنافسين الأوروبيين الآخرين ويزيد من الضغط على الدول التي لا تزال تعتمد على أنظمة دفاع جوي متقادمة.
كما يسلط هذا التطور الضوء على اتجاه عالمي جديد وهو "دفاع البنية التحتية المدنية الحيوية" بأسلحة عسكرية عالية الدقة. هذا التوجه سيخلق طلباً هائلاً في السنوات القادمة على أنظمة الدفاع الجوي قصيرة ومتوسطة المدى التي يمكن دمجها بسهولة في البيئات الحضرية والصناعية المزدحمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن قرار بلجيكا بالاستثمار في NASAMS يساهم في توحيد المعايير التقنية (Interoperability) داخل حلف الناتو، مما يقلل من تكاليف الصيانة والتدريب المشترك، ويجعل من المنظومة النرويجية-الأمريكية "المعيار الذهبي" للدفاع الجوي الأوروبي في العقد الحالي.
بحلول نهاية عام 2026، ومع اكتمال تسليم البطاريات الأولى، ستكون سماء "أنتويرب" تحت حراسة عيون لا تنام. إن تكامل NASAMS مع القدرات الدفاعية البلجيكية يمثل تحولاً من الدفاع التقليدي إلى الدفاع "الذكي" المبني على الشبكات والبيانات.