أخبار: روسيا تعرض منظومة Peresvet الليزرية لأول مرة في "عيد النصر" بموسكو

في خطوة لفتت أنظار الأوساط العسكرية الدولية، ظهرت منظومة الليزر القتالية الروسية Peresvet لأول مرة ضمن العرض العسكري الرسمي لـ“عيد النصر” في الساحة الحمراء بموسكو، خلال احتفالات التاسع من مايو 2026، في ظهور اعتبره مراقبون رسالة استراتيجية مباشرة تعكس تمسك روسيا بمواصلة تطوير أسلحة المستقبل رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرب الأوكرانية.

ورغم أن منظومة Peresvet ليست جديدة بالكامل، إذ سبق أن أعلن عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأول مرة عام 2018 ضمن حزمة الأسلحة الاستراتيجية الروسية المتقدمة، فإن ظهورها هذه المرة يحمل طابعاً مختلفاً، باعتباره أول عرض علني رسمي للمنظومة ضمن موكب “عيد النصر”، وهو الحدث العسكري الأكثر رمزية في روسيا.

وجاء ظهور المنظومة في وقت تحاول فيه موسكو إبراز استمرار قدراتها التكنولوجية والعسكرية المتقدمة، رغم الاستنزاف الذي فرضته الحرب الممتدة في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة المفروضة على قطاع الصناعات الدفاعية الروسية.

وخلال العرض العسكري، ظهرت Peresvet إلى جانب عدد من أبرز منظومات الردع الروسية مثل صاروخ Yars الباليستي العابر للقارات، ومنظومة الدفاع الجوي S-500، والمقاتلة الشبحية Su-57، في إشارة واضحة إلى أن موسكو تصنف النظام الليزري ضمن منظومات الردع الاستراتيجي ذات الأهمية الخاصة.

وتنتمي Peresvet إلى فئة أسلحة “Directed Energy Weapons”، أي الأسلحة المعتمدة على الطاقة الموجهة، وهي أنظمة تستخدم أشعة ليزر عالية القدرة لتنفيذ مهام قتالية أو تعطيل أنظمة الخصوم الإلكترونية والبصرية.

ورغم الغموض الكبير الذي لا يزال يحيط بالتفاصيل الفنية الدقيقة للمنظومة، تشير التقديرات العسكرية إلى أن روسيا صممت Peresvet أساساً لحماية منصات الصواريخ الباليستية الاستراتيجية المتحركة، إضافة إلى تنفيذ مهام مرتبطة بمكافحة الطائرات المسيّرة وتعطيل الأقمار الصناعية المعادية وأنظمة الاستطلاع الفضائي.

ومنذ الكشف الأول عن المشروع عام 2018، تعمدت موسكو إبقاء معظم المعلومات المتعلقة بقوة الليزر، ومدى الاشتباك، وآلية التشغيل، ومصدر الطاقة المستخدم، ضمن نطاق السرية العسكرية، وهو ما دفع العديد من مراكز الدراسات الغربية إلى اعتبار Peresvet أحد أكثر مشاريع التسليح الروسية غموضاً خلال العقد الأخير.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن المنظومة قد تكون قادرة على تنفيذ عمليات “إعماء بصري” للأقمار الصناعية عبر استهداف المستشعرات الكهروبصرية، بما يحد من قدرة الخصوم على مراقبة التحركات العسكرية الروسية في أوقات الأزمات.

ويمثل هذا النوع من القدرات أهمية استراتيجية متزايدة في ظل الاعتماد الكثيف للجيوش الحديثة على الأقمار الصناعية في الاستطلاع، والاتصالات العسكرية، وتوجيه الذخائر الدقيقة، وإدارة العمليات القتالية الشبكية.

كما يرى خبراء أن روسيا تسعى عبر Peresvet إلى بناء طبقة إضافية من الحماية لمنظومات الردع النووي الروسية، خاصة منصات الصواريخ المتحركة التي تعتمد على التخفي والمناورة لتفادي الرصد والاستهداف.

ويأتي الظهور العلني للمنظومة في وقت يشهد العالم سباقاً متسارعاً نحو تطوير أسلحة الطاقة الموجهة، حيث تستثمر الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وتركيا ودول أوروبية كبرى مليارات الدولارات في مشاريع الليزر العسكري وأنظمة الموجات الكهرومغناطيسية.

وتزايد الاهتمام العالمي بهذه الأنظمة بعد التحولات التي فرضتها الحروب الحديثة، خاصة مع الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة والذخائر الانتحارية منخفضة التكلفة، والتي أصبحت تشكل تحدياً متنامياً لمنظومات الدفاع الجوي التقليدية مرتفعة الكلفة.

ففي كثير من الحالات، قد تتجاوز تكلفة اعتراض طائرة مسيّرة صغيرة باستخدام صاروخ دفاع جوي تقليدي مئات الآلاف من الدولارات، بينما توفر أنظمة الليزر حلاً أقل تكلفة على المدى الطويل، مع قدرة على الاشتباك المتكرر طالما توافرت الطاقة اللازمة للتشغيل.

ولهذا السبب، باتت أسلحة الليزر تُعتبر من أكثر التقنيات الواعدة في مستقبل الدفاع الجوي قصير المدى وحماية المنشآت العسكرية الحساسة.

وبالنسبة لروسيا، فإن الاستثمار في مشروع Peresvet يحمل أيضاً بعداً سياسياً واستراتيجياً، إذ تسعى موسكو إلى التأكيد بأنها لا تزال قادرة على منافسة الغرب في مجالات التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، رغم القيود الاقتصادية والعقوبات التكنولوجية المفروضة عليها منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

وفي المقابل، يواجه تطوير أسلحة الليزر تحديات تقنية معقدة، تشمل التأثر بالعوامل الجوية مثل الأمطار والضباب والعواصف الترابية، إضافة إلى الحاجة إلى مصادر طاقة ضخمة وأنظمة تبريد متقدمة لضمان الاستقرار التشغيلي أثناء إطلاق الأشعة عالية القدرة.

كما أن فعالية هذه الأنظمة ضد الأهداف عالية السرعة أو المناورة لا تزال موضع اختبار لدى معظم الجيوش التي تعمل على تطوير هذه التكنولوجيا.

ومع ذلك، فإن مجرد استمرار روسيا في استعراض منظومة Peresvet ضمن أهم حدث عسكري سنوي لديها يعكس قناعة واضحة لدى الكرملين بأن أسلحة الطاقة الموجهة ستكون أحد الأعمدة الرئيسية للحروب المستقبلية، سواء في مجالات الدفاع الجوي أو الحرب الفضائية أو حماية الأصول الاستراتيجية.

ويرى محللون أن ظهور Peresvet لأول مرة في عرض “عيد النصر” يحمل أيضاً بعداً دعائياً ونفسياً، خاصة في ظل الانتقادات الغربية التي اعتبرت أن العرض العسكري الروسي هذا العام جاء أقل زخماً مقارنة بالسنوات السابقة بسبب تداعيات الحرب الأوكرانية والهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي.

لذلك حرصت موسكو على إبراز أنظمة استراتيجية متقدمة تعكس استمرار قدرتها على تطوير تكنولوجيا عسكرية عالية التعقيد، بما في ذلك الأنظمة المرتبطة بالحرب المستقبلية والفضاء والطاقة الموجهة.

ومن الناحية الجيوسياسية، يعكس الاهتمام الروسي المتزايد بأسلحة الليزر اتجاهاً عالمياً أوسع نحو عسكرة الفضاء وتصاعد المنافسة الدولية في مجال أنظمة مكافحة الأقمار الصناعية، وهي المجالات التي يُتوقع أن تشهد استثمارات ضخمة خلال العقد المقبل.

كما أن توسع برامج أسلحة الطاقة الموجهة قد يؤدي إلى إعادة تشكيل سوق الصناعات الدفاعية العالمية، خاصة في قطاعات الدفاع الجوي قصير المدى وحماية المنشآت الحيوية ومواجهة أسراب المسيّرات.

وفي هذا السياق، يبدو أن ظهور Peresvet في موسكو لم يكن مجرد استعراض رمزي لمنظومة غامضة، بل رسالة روسية واضحة مفادها أن سباق التكنولوجيا العسكرية المستقبلية لا يزال مفتوحاً، وأن موسكو تعتزم البقاء لاعباً رئيسياً فيه رغم كل التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تواجهها حالياً.