في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تفرضها النزاعات الدولية على سلاسل التوريد العسكرية العالمية، أعلن المجلس الفيدرالي السويسري رسمياً عن البدء في دراسة استحواذ ثانٍ لنظام دفاع جوي طويل المدى، مع اشتراط أن يكون المنتج أوروبي المنشأ. يأتي هذا القرار الاستراتيجي، الذي تم الكشف عنه في 6 مارس 2026، كاستجابة مباشرة لإبلاغ واشنطن للحكومة السويسرية بتأجيل تسليم منظومات Patriot التي تعاقدت عليها "برن" سابقاً لمدة تتراوح بين أربع إلى خمس سنوات، نظراً لإعادة ترتيب أولويات التسليم الأمريكية لصالح أوكرانيا والشرق الأوسط.
أوضح وزير الدفاع السويسري "مارتن فيستر" أن بلاده لا تزال متمسكة بصفقة الـ Patriot المكونة من خمس بطاريات كركيزة أساسية، إلا أن الفجوة العملياتية الناتجة عن التأخير استدعت البحث "الفوري" عن نظام مكمل. وتشير التقارير الفنية إلى أن التوجه السويسري يميل بقوة نحو نظام SAMP/T (Mamba)، الذي ينتجه الكونسورتيوم الفرنسي الإيطالي Eurosam (شراكة بين Thales وMBDA). ويتميز هذا النظام بصواريخ Aster 30 B1NT التي توفر تغطية شاملة بزاوية 360 درجة وقدرة فائقة على اعتراض الصواريخ الباليستية التكتيكية والمسيرات.
ولم يتوقف التعديل السويسري عند الدفاع الجوي فحسب، بل شمل أيضاً تقليص عدد مقاتلات F-35A المخطط شراؤها من 36 إلى حوالي 30 طائرة، وذلك لامتصاص الارتفاع المفاجئ في التكاليف الناجم عن التضخم وزيادة أسعار المواد الخام، وهو ما تطلب إعادة توجيه ميزانيات ضخمة لتمويل "صندوق الدفاع الخاص" الذي تعتزم الحكومة إنشاءه. كما أشار الجانب السويسري إلى أن الاعتماد على نظام SAMP/T سيمنح "برن" تنوعاً في سلاسل التوريد، ويقلل من ارتهان أمنها القومي لقرارات دولة واحدة، وهو ما يعد تحولاً جذرياً في فلسفة الحياد المسلح السويسرية.
تحمل هذه الخطوة دلالة استراتيجية كبرى؛ فهي تمثل اعترافاً رسمياً من إحدى أكثر دول العالم حرصاً على الدقة التخطيطية بأن "المظلة الأمريكية" لم تعد كافية وحدها لضمان الأمن القومي في ظل الأزمات الممتدة. إن لجوء سويسرا للخيار الأوروبي يعزز من مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" ويمنح دفعة قوية لمبادرة "درع السماء الأوروبي" (European Sky Shield Initiative - ESSI)، رغم الحذر السويسري التقليدي من الانخراط الكامل في تحالفات عسكرية.
استراتيجياً، يعكس القرار السويسري تحولاً في تقدير التهديدات؛ حيث لم يعد التركيز منصباً فقط على امتلاك السلاح، بل على "ضمان توافره" في وقت الأزمات. إن الفجوة الدفاعية التي خلفها تأخر الـ Patriot لمدة 5 سنوات تترك الأجواء السويسرية والمواقع الحيوية عرضة لتهديدات الصواريخ الجوالة والمسيرات المتطورة، وهو ما دفع "برن" لتسريع وتيرة التعاون مع جيرانها الأوروبيين (فرنسا وإيطاليا) لضمان حماية مشتركة تتجاوز العقبات اللوجستية الأمريكية.
على صعيد سوق الدفاع العالمي، يمثل هذا الخبر ضربة معنوية لشركة Raytheon المصنعة لنظام Patriot، حيث يفتح الباب أمام دول أخرى لإعادة النظر في تعاقداتها والبحث عن بدائل أكثر سرعة في التسليم. في المقابل، يمثل هذا التحول "فرصة ذهبية" لشركة MBDA وThales لترسيخ نظام SAMP/T كمعيار أوروبي منافس للـ Patriot، خاصة بعد أن أثبتت النسخة الأحدث SAMP/T NG قدرات رصد واعتراض تضاهي بل وتتفوق في بعض الجوانب على المنظومات الأمريكية بفضل رادارات Kronos AESA المتطورة.
من المتوقع أن يؤدي هذا التوجه السويسري إلى زيادة الضغط على الولايات المتحدة لتوسيع خطوط إنتاج الصواريخ الاعتراضية مثل PAC-3 MSE، أو الدخول في شراكات إنتاج مرخصة داخل أوروبا (مثل المصنع المخطط له في ألمانيا) لتقليل مدد التسليم. إن سوق الدفاع العالمي يتحول الآن من "سوق البائع" (حيث تفرض واشنطن الشروط) إلى سوق يبحث فيه المشترون عن "الموثوقية الزمنية" والتوطين المحلي. نجاح سويسرا في دمج نظامين مختلفين (أمريكي وأوروبي) سيخلق نموذجاً تكنولوجياً معقداً يتطلب حلولاً برمجية متطورة للربط والسيطرة (C2)، مما سيفتح سوقاً جديداً لشركات البرمجيات الدفاعية المتخصصة في تكامل الأنظمة الهجينة.