أعلنت الحكومة السويسرية رسمياً عن خطوة استراتيجية كبرى لتعزيز قدرات الدفاع الجوي بعيد المدى. فقد وقعت الوكالة الفيدرالية للمشتريات الدفاعية (Armasuisse) اتفاقية شراء وتكامل لنظام الدفاع الجوي والصاروخي المتقدم SAMP/T (Sol-Air Moyenne Portée/Terrestre)، المعروف أيضاً باسم Mamba، والذي تنتجه مجموعة Eurosam الفرنسية-الإيطالية المشتركة بين شركتي MBDA و Thales.
تأتي هذه الصفقة، التي تقدر قيمتها بمليارات الفرنكات السويسرية، كجزء من برنامج التحديث الشامل "Air2030"، حيث تسعى سويسرا لتشييد مظلة دفاعية متعددة الطبقات. وبموجب هذا التعاون، ستتسلم القوات الجوية السويسرية بطاريات من طراز SAMP/T NG (New Generation)، وهي النسخة الأحدث والمطورة التي تتميز بقدرات رصد واعتراض فائقة ضد مجموعة واسعة من التهديدات الجوية المعاصرة، بما في ذلك Tactical Ballistic Missiles و Cruise Missiles والطائرات المقاتلة من الجيل الخامس.
تعتمد المنظومة السويسرية الجديدة بشكل أساسي على رادار Kronos Grand Mobile High Power القادر على كشف الأهداف من مسافات تتجاوز 350 كيلومتراً، وصواريخ الاعتراض من طراز Aster 30 Block 1 NT (Nocturne)، التي توفر حماية دقيقة ضد الصواريخ ذات المسارات المعقدة والمناورة العالية.
تمثل هذه الصفقة علامة فارقة في العقيدة العسكرية السويسرية؛ فبالرغم من تمسك بيرن التاريخي بالحياد، إلا أن انضمامها لنظام SAMP/T يعكس إدراكاً عميقاً بأن التهديدات الجوية الحديثة لا تعترف بالحدود السياسية. استراتيجياً، يضع هذا القرار سويسرا كجزء لا يتجزأ من "هيكلية الأمن الجوي الأوروبي"، حيث تتماشى المنظومة المختارة مع المعايير التقنية التي تعتمدها فرنسا وإيطاليا، مما يسهل عمليات التنسيق وتبادل البيانات الاستخباراتية في حالات الطوارئ القصوى.
من خلال تفضيل SAMP/T على بدائل دولية أخرى، تؤكد سويسرا ثقتها في التكنولوجيا القارية القادرة على مواجهة التحديات النوعية. إن نشر هذه المنظومة في تضاريس سويسرا الجبلية الوعرة يمنح الجيش السويسري قدرة "الإنكار الجوي" (Anti-Access/Area Denial - A2/AD)، مما يجعل أجواء الاتحاد السويسري منطقة عصية على الاختراق، ويؤمن البنية التحتية الحيوية والمراكز المالية العالمية التي تحتضنها البلاد.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الخطوة تعزز من مفهوم "الدفاع المشترك غير الرسمي"، حيث تصبح المظلة الجوية السويسرية مكملة للدفاعات الجوية لدول الجوار، مما يخلق منطقة حظر جوي تقنية تمتد عبر وسط أوروبا، ويقلل من الثغرات التي قد تستغلها الصواريخ الجوالة بعيدة المدى.
إن دخول سويسرا كعضو جديد في نادي مشغلي SAMP/T يرسل موجات ارتدادية قوية في سوق السلاح العالمي:
- تعزيز مكانة صواريخ Aster عالمياً: نجاح MBDA في تأمين العقد السويسري يرفع من أسهم عائلة صواريخ Aster 30 كالمنافس الأوروبي الوحيد والصلب لنظام Patriot الأمريكي. هذا التنافس سيؤدي حتماً إلى سباق محموم في تطوير خوارزميات الاعتراض وتقنيات الرادار بين القطبين الغربيين.
- التوجه نحو الأنظمة المفتوحة (Open Architecture): تصر سويسرا في هذه الصفقة على دمج نظام SAMP/T مع نظام القيادة والسيطرة الوطني، مما يدفع الشركات الدفاعية العالمية نحو تبني هندسة برمجيات مرنة تسمح بدمج معدات من مصادر مختلفة، وهو ما سيصبح معياراً تكنولوجياً مطلوباً في كافة الصفقات المستقبلية.
- تنامي دور التحالفات العابرة للحدود: الصفقة تبرز قوة الكيانات المشتركة مثل Eurosam، مما يشجع الدول الأخرى على تأسيس كونسورتيومات صناعية بدلاً من الاعتماد على شركة واحدة، لتقاسم تكاليف البحث والتطوير الهائلة في أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.
- إعادة تقييم "سوق الدفاع المحايد": أصبحت الدول المحايدة (مثل سويسرا والنمسا سابقاً) زبائن استراتيجيين يبحثون عن "أفضل تكنولوجيا متاحة" دون قيود سياسية ثقيلة، مما يفتح سوقاً تنافسياً جديداً تركز فيه الشركات على الكفاءة التقنية البحتة والقدرة على مواجهة Hypersonic Threats.
بهذا التعاقد، لا تشتري سويسرا مجرد منصات دفاعية، بل تحجز مقعداً في مستقبل الدفاع الصاروخي الذكي، مؤكدة أن أمنها القومي يمر عبر امتلاك أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الدفاعية الأوروبية SAMP/T.