في مرحلة مفصلية تشهد تصاعداً غير مسبوق في تهديدات الصواريخ البالستية العابرة للحدود، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (Pentagon) عن منح عملاق الصناعات الدفاعية، شركة Lockheed Martin، عقداً استراتيجياً جديداً بقيمة تتجاوز المليار دولار. يهدف هذا العقد إلى إنتاج وتوريد دفعات إضافية من الصواريخ الاعتراضية الخاصة بمنظومة Terminal High Altitude Area Defense (THAAD)، وهي المنظومة الوحيدة في العالم المصممة لاعتراض الصواريخ البالستية قصيرة ومتوسطة المدى داخل وخارج الغلاف الجوي للأرض خلال مرحلة هبوطها النهائية.
تأتي هذه الخطوة لتعزيز المخزون الاستراتيجي للجيش الأمريكي ووكالة الدفاع الصاروخي (Missile Defense Agency - MDA)، في ظل بيئة أمنية عالمية مضطربة تفرض ضرورة وجود شبكة دفاعية متعددة الطبقات. إن نظام THAAD، الذي أثبت كفاءة منقطعة النظير في الاختبارات الميدانية والانتشارات العملياتية، يمثل حجر الزاوية في حماية القوات المنتشرة في الخارج والحلفاء الاستراتيجيين، خاصة في ظل تزايد دقة وسرعة التهديدات الصاروخية الحديثة التي تتبناها القوى المنافسة.
بموجب هذا العقد، ستتولى شركة Lockheed Martin، من خلال مرافقها المتقدمة في "تروي" بولاية ألاباما، تصنيع الصواريخ الاعتراضية التي تعمل بتقنية Hit-to-Kill. هذه التكنولوجيا المتقدمة تعتمد على تدمير الرؤوس الحربية القادمة عن طريق التصادم المباشر بقوة دفع هائلة (طاقة حركية)، بدلاً من استخدام الرؤوس الحربية الانفجارية التقليدية، مما يضمن تدمير الهدف بالكامل وتقليل مخاطر سقوط الشظايا أو المواد الخطرة على المناطق المأهولة.
وتتكامل هذه الصواريخ الاعتراضية مع رادارات AN/TPY-2 التي تنتجها شركة Raytheon Technologies، وهي الرادارات القادرة على كشف وتتبع الأهداف المعادية من مسافات شاسعة وبدقة متناهية. إن إنتاج هذه الدفعات الجديدة لا يقتصر فقط على الكم، بل يتضمن تحسينات برمجية وهيكلية تجعل الصاروخ الاعتراض لـ THAAD أكثر قدرة على المناورة ومواجهة الشراك الخداعية (Decoys) التي قد تحملها الصواريخ البالستية الحديثة، مما يعزز من نسبة النجاح في الاعتراض الأول (Single Shot Probability of Kill).
تمثل هذه الصفقة رسالة ردع استراتيجية بالغة الأهمية في المحيط الجيوسياسي الحالي. فمن خلال زيادة وتيرة إنتاج صواريخ THAAD، تؤكد الولايات المتحدة التزامها بتوفير "مظلة حماية" غير قابلة للاختراق فوق قواعدها العسكرية في مناطق التوتر الحادة مثل المحيط الهادئ والشرق الأوسط. إن نشر هذه المنظومات لا يعمل فقط كوسيلة دفاعية، بل هو أداة سياسية وعسكرية تمنع الخصوم من استخدام التهديد الصاروخي كوسيلة للابتزاز أو الضغط السياسي.
علاوة على ذلك، يظهر هذا العقد التحول نحو "الاستعداد للصراعات عالية الكثافة" (High-Intensity Conflict). فبينما كانت المنظومات الدفاعية في السابق تركز على تهديدات محدودة، فإن ضخامة هذا العقد تشير إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية تدرك ضرورة امتلاك مخزونات كافية لمواجهة "هجمات الإغراق الصاروخي" (Saturation Attacks)، حيث يتم إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ في وقت واحد. إن نظام THAAD بمرونته وقدرته على الاندماج مع أنظمة Patriot PAC-3 MSE و Aegis Ballistic Missile Defense، يخلق شبكة دفاعية متكاملة ترفع من تكلفة أي عدوان محتمل إلى مستويات لا يمكن للخصوم تحملها.
على مستوى سوق الدفاع العالمي، يرسخ هذا العقد مكانة شركة Lockheed Martin كقائد لا ينافس في مجال الدفاع الصاروخي عالي الارتفاع. إن استمرارية الطلب على صواريخ THAAD الاعتراضية تحفز الابتكار في سلاسل التوريد المرتبطة بقطاع الفضاء والدفاع، وتدفع الشركات المنافسة عالمياً لمحاولة اللحاق بهذا المستوى التقني المعقد، وهو ما يبدو صعباً في المدى المنظور نظراً لسنوات التفوق التكنولوجي والبيانات العملياتية التي يمتلكها الجانب الأمريكي.
كما أن هذا العقد سيعزز من جاذبية منظومة THAAD في سوق التصدير الدفاعي (FMS - Foreign Military Sales). فالدول التي تسعى لحماية منشآتها الاستراتيجية ومدنها الكبرى، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تراقب عن كثب مدى التزام البنتاجون بتطوير هذه التكنولوجيا. إن استثمار الولايات المتحدة في تطوير إنتاجيتها يطمئن المشترين الدوليين بأن المنظومة ستحظى بدعم فني وتطويري لعقود قادمة.
هذا العقد يعكس حقيقة أن السباق نحو التسلح الصاروخي والدفاعي قد دخل مرحلة "الذكاء الحركي"، حيث لم يعد التحدي يكمن في إطلاق الصاروخ، بل في القدرة على اعتراضه في الفضاء السحيق. وبفضل التزام Lockheed Martin ووزارة الدفاع الأمريكية، تظل منظومة THAAD الرمز الأبرز للتفوق التكنولوجي الذي يحمي السلام العالمي عبر قوة الردع الدفاعي.