في تطور لافت يعكس التحول المتسارع في طبيعة الحروب الحديثة، أعلنت شركة Thales نجاح منظومة RapidDestroyer العاملة بتقنية Radio Frequency Directed Energy Weapon (RFDEW) في تحييد 80 طائرة مسيّرة خلال سلسلة من التجارب الميدانية الأخيرة، في خطوة تؤكد اقتراب دخول فئة جديدة من الأسلحة الكهرومغناطيسية إلى ساحات القتال الفعلية لمواجهة التهديد المتنامي الذي تمثله أسراب الطائرات غير المأهولة.
وتأتي هذه النتائج بعد أشهر من التجارب المكثفة التي أجرتها الشركة البريطانية بالتعاون مع عدد من الشركاء الصناعيين والتقنيين ضمن برنامج تطوير أسلحة الطاقة الموجهة في المملكة المتحدة. ووفقاً للمعلومات المعلنة، تمكنت المنظومة من التعامل مع عشرات الأهداف الجوية الصغيرة خلال سيناريوهات تشغيلية مختلفة، حيث نجحت في تعطيل أو تدمير الأنظمة الإلكترونية للطائرات المسيّرة المستهدفة بصورة سريعة وفعالة.
وتختلف RapidDestroyer بصورة جوهرية عن الأنظمة الليزرية التي استحوذت على الجزء الأكبر من الاهتمام الإعلامي خلال السنوات الماضية. فبدلاً من استخدام شعاع ضوئي عالي الطاقة لحرق هيكل الهدف أو إتلافه حرارياً، تعتمد المنظومة البريطانية على إطلاق موجات راديوية عالية الكثافة تستهدف الدوائر الإلكترونية وأنظمة التحكم والاتصالات والمكونات الحساسة داخل الطائرة المسيّرة. وعندما تصل هذه الطاقة الكهرومغناطيسية إلى الهدف فإنها تتسبب في تعطيل إلكترونياته أو إتلافها، ما يؤدي إلى فقدان السيطرة على الطائرة أو سقوطها بالكامل.
وتشير البيانات الفنية المتاحة إلى أن المنظومة الجديدة تستخدم مؤثراً مكوناً من أربع وحدات رئيسية لتوجيه الطاقة الكهرومغناطيسية بكفاءة أعلى مقارنة بالأنظمة السابقة، وهو ما يسمح بتركيز كمية أكبر من الطاقة على الأهداف وتحسين الدقة وزيادة مدى الاشتباك. كما أن هذا التصميم يمنح النظام قدرة أكبر على التعامل مع أهداف متعددة في الوقت نفسه، وهي ميزة تعد من أهم التحديات التي تواجه أنظمة الدفاع الجوي الحالية عند التصدي لأسراب الطائرات المسيّرة.
وتكتسب هذه الخاصية أهمية استثنائية في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب الروسية الأوكرانية والصراعات الدائرة في الشرق الأوسط، حيث أثبتت الطائرات المسيّرة الرخيصة نسبياً قدرتها على استنزاف منظومات الدفاع الجوي التقليدية وإجبار الجيوش على استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن ضد أهداف منخفضة التكلفة. وقد دفعت هذه المعادلة الاقتصادية غير المتوازنة العديد من الدول إلى البحث عن حلول أكثر استدامة لمواجهة التهديدات الجوية الصغيرة.
وهنا تبرز أهمية أسلحة الطاقة الموجهة عموماً، والأسلحة الكهرومغناطيسية على وجه الخصوص. فبدلاً من إطلاق صاروخ قد تصل تكلفته إلى مئات الآلاف من الدولارات لاعتراض طائرة مسيّرة تجارية أو انتحارية منخفضة التكلفة، يمكن لمنظومات مثل RapidDestroyer تنفيذ عدد كبير من الاشتباكات بتكلفة تشغيلية محدودة للغاية مقارنة بالحلول التقليدية. كما أن سرعة انتقال الموجات الراديوية تمنح هذه الأنظمة ميزة إضافية تتمثل في الاستجابة الفورية تقريباً للتهديدات الجوية.
ولا يمثل نجاح التجارب الأخيرة حدثاً منفصلاً، بل يأتي ضمن مسار تطوير مستمر بدأ منذ سنوات. فقد سبق للجيش البريطاني أن اختبر نسخاً أولية من هذه التكنولوجيا ضمن مشروع تطوير مشترك تقوده Thales UK بالتعاون مع شركاء صناعيين وتقنيين، وتمكنت النماذج السابقة من التعامل مع أسراب كاملة من الطائرات المسيّرة خلال اختبارات ميدانية واسعة النطاق.
ومن الناحية العملياتية، تمنح هذه التكنولوجيا القوات المسلحة أداة جديدة تقع بين أنظمة الحرب الإلكترونية التقليدية وأنظمة الدفاع الجوي الصاروخية. فبينما تعتمد وسائل التشويش الإلكتروني على قطع الاتصال بين الطائرة المسيّرة ومشغلها، تستطيع الأسلحة الكهرومغناطيسية عالية الطاقة إلحاق أضرار مباشرة بالمكونات الإلكترونية نفسها، ما يجعلها أكثر فعالية ضد الطائرات المستقلة أو المزودة بأنظمة ملاحة متقدمة أو تلك التي تعمل عبر وصلات ألياف ضوئية يصعب التشويش عليها.
كما أن هذه القدرات تجعل المنظومة مناسبة لحماية القواعد الجوية والموانئ العسكرية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية ومراكز القيادة والسيطرة. ومع تزايد انتشار الطائرات المسيّرة الانتحارية وأسراب الدرونز الرخيصة، أصبحت هذه المنشآت بحاجة إلى طبقات دفاعية جديدة قادرة على التعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف في وقت قصير دون استنزاف مخزون الذخائر الاعتراضية التقليدية.
وعلى المستوى الصناعي، يعكس نجاح RapidDestroyer تصاعد المنافسة العالمية في سوق أسلحة الطاقة الموجهة. فخلال السنوات الأخيرة استثمرت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا مليارات الدولارات في تطوير تقنيات الليزر والموجات الكهرومغناطيسية عالية الطاقة. وتُعد أنظمة الميكروويف والموجات الراديوية من أكثر المجالات الواعدة لأنها توفر قدرة فريدة على الاشتباك مع عدة أهداف في وقت واحد، بخلاف الليزر الذي يحتاج عادة إلى التركيز على هدف واحد لفترة زمنية محددة قبل تدميره.
كما أن شركة Thales تمتلك بالفعل خبرات متراكمة في هذا المجال من خلال برامج مثل ThunderShield المخصص لمواجهة الطائرات المسيّرة الصغيرة باستخدام الموجات الكهرومغناطيسية عالية الطاقة، وهو ما يمنحها موقعاً متقدماً في سباق تطوير أنظمة مكافحة الدرونز من الجيل القادم.
تكشف التجارب الأخيرة أن معركة الدفاع الجوي المستقبلية لن تعتمد فقط على الصواريخ والرادارات التقليدية، بل ستشهد اندماجاً متزايداً بين أنظمة الطاقة الموجهة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ضمن شبكات دفاعية متعددة الطبقات. فالجيوش التي تواجه تهديدات متزايدة من أسراب المسيّرات تحتاج إلى وسائل اعتراض قادرة على التعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف بسرعة عالية وتكلفة منخفضة، وهي المتطلبات التي صُممت RapidDestroyer أساساً لتلبيتها.
إن نجاح RapidDestroyer في تحييد 80 طائرة مسيّرة خلال التجارب الأخيرة لا يمثل مجرد إنجاز تقني لشركة Thales، بل يشير إلى اقتراب دخول جيل جديد من الأسلحة الكهرومغناطيسية إلى الخدمة العملياتية. وإذا واصلت المنظومة تحقيق النتائج نفسها خلال الاختبارات المستقبلية، فقد تصبح واحدة من أهم أدوات الدفاع الجوي قصير المدى خلال العقد المقبل، وتفتح الباب أمام تحول جذري في أساليب مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة التي أصبحت أحد أبرز تحديات الحروب الحديثة.