حصلت شركة Rheinmetall الألمانية على عقد دولي جديد بقيمة تصل إلى عدة مئات من ملايين اليورو لتوريد أربع منظومات متكاملة من نظام الدفاع الجوي Oerlikon Skynex إلى عميل دولي لم يُكشف عن هويته، في واحدة من أبرز صفقات الدفاع الجوي قصيرة المدى المعلنة خلال عام 2026. وتعكس هذه الصفقة التنامي المستمر في الطلب العالمي على أنظمة الحماية ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ وقذائف المدفعية والهاون، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها ساحات القتال الحديثة، والتي أثبتت فيها التهديدات الجوية منخفضة الارتفاع أنها أصبحت أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام الجيوش والمنشآت الحيوية.
وأكدت Rheinmetall أن العقد يمثل أول تعاون مع هذا العميل الدولي، ما يوسع قاعدة مستخدمي منظومة Skynex ويعزز حضور الشركة في سوق الدفاع الجوي العالمي. كما أوضحت أن قيمة العقد سُجلت ضمن نتائج الربع الثاني من عام 2026، بينما يمتد تنفيذ البرنامج على مدار 39 شهرًا، على أن يتم تسليم أول بطارية بعد 21 شهرًا من توقيع العقد، يليها تسليم البطاريات الثلاث الأخرى بفاصل زمني يبلغ ستة أشهر بين كل عملية تسليم، وهو جدول يعكس حجم المشروع وتعقيد مكوناته الفنية واللوجستية.
ولا يقتصر العقد على توريد منظومات Skynex فقط، بل يشمل أيضًا الشاحنات التكتيكية الحاملة للمنظومات، وكميات من ذخائر AHEAD الذكية عيار 35 ملم، بالإضافة إلى حزمة متكاملة من خدمات الدعم اللوجستي Integrated Logistic Support (ILS) التي تضم التدريب وقطع الغيار والأدوات الفنية والمستهلكات اللازمة لضمان الحفاظ على الجاهزية التشغيلية للمنظومات طوال فترة الخدمة. ويؤكد هذا التوجه أن عقود الدفاع الحديثة أصبحت تعتمد على تقديم حلول تشغيلية متكاملة بدلاً من الاكتفاء بتسليم المعدات العسكرية فقط، بما يضمن تحقيق أعلى معدلات الاعتمادية والاستدامة لدى المستخدم النهائي.
وتعد منظومة Skynex أحدث أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى التي طورتها Rheinmetall Air Defence، وهي تعتمد على بنية شبكية مفتوحة تسمح بدمج مختلف الرادارات وأجهزة الاستشعار ووحدات الإطلاق ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة. ويشكل نظام Oerlikon Skymaster مركز إدارة المعركة داخل المنظومة، حيث يتولى استقبال البيانات من الرادارات وأجهزة الاستشعار المختلفة وتحليلها وتوزيع الأهداف على وحدات الاشتباك بصورة آلية، بما يضمن سرعة الاستجابة في مواجهة الهجمات الجوية المكثفة والمعقدة. وتتميز هذه البنية بإمكانية تطويرها وإضافة وسائل اعتراض جديدة مستقبلًا، سواء كانت صواريخ دفاع جوي أو أسلحة ليزر عالية الطاقة، دون الحاجة إلى إعادة تصميم المنظومة بالكامل.
وتعتمد المنظومة حاليًا على المدفع الدوار Oerlikon Revolver Gun Mk3 عيار 35 ملم، الذي يستخدم ذخائر AHEAD القابلة للبرمجة، والتي تنفجر أمام الهدف لتطلق سحابة كثيفة من المقذوفات المعدنية الدقيقة، ما يزيد من احتمالية تدمير الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة وقذائف المدفعية والهاون، حتى في حال تنفيذها مناورات أو تحليقها بسرعات مرتفعة. وتوفر هذه الذخيرة ميزة اقتصادية مقارنة باستخدام الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الثمن، خاصة عند التصدي للأهداف منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيّرة الانتحارية، وهو عامل أصبح يحظى بأهمية كبيرة في النزاعات الحديثة التي تشهد استخدامًا مكثفًا لهذا النوع من التهديدات.
وقد أثبتت منظومة Skynex بالفعل قدراتها العملياتية في ميادين القتال، حيث دخلت الخدمة لدى أوكرانيا وأسهمت في اعتراض عشرات الطائرات المسيّرة وصواريخ Kh-101 الجوالة خلال الهجمات الروسية، وفق ما أعلنته القوات الجوية الأوكرانية. وأظهرت البيانات المنشورة أن إحدى البطاريات تمكنت من إسقاط 34 طائرة مسيّرة هجومية وصاروخي Kh-101، وهو ما عزز سمعة المنظومة باعتبارها واحدة من أكثر أنظمة الدفاع الجوي المدفعية كفاءة في مواجهة التهديدات الجوية منخفضة الارتفاع.
وتأتي هذه الصفقة في وقت يشهد فيه العالم سباقًا متسارعًا لتطوير منظومات الدفاع الجوي القصيرة المدى، بعدما أثبتت النزاعات الأخيرة أن الاعتماد على الأنظمة بعيدة المدى وحدها لم يعد كافيًا لحماية القواعد العسكرية والمطارات ومراكز القيادة والموانئ والبنية التحتية الحيوية. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ غير الموجهة والذخائر الجوالة أدوات رئيسية في الحروب الحديثة، وهو ما فرض على الجيوش الاستثمار في أنظمة قادرة على تنفيذ اعتراضات منخفضة التكلفة وذات معدل نيران مرتفع، مع القدرة على مواجهة هجمات الإغراق التي تعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من الأهداف في توقيت واحد.
تؤكد هذه الصفقة أن المدفعية المضادة للطائرات تشهد عودة قوية إلى ساحات القتال بعد سنوات من هيمنة منظومات الدفاع الصاروخي. فقد أظهرت الخبرات العملياتية أن استخدام صاروخ اعتراضي تبلغ قيمته مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات لإسقاط طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة يمثل معادلة اقتصادية غير مستدامة، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة الاستثمار في المدافع الذكية المزودة بذخائر مبرمجة مثل Skynex، باعتبارها خيارًا أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية وأكثر قدرة على التعامل مع الهجمات الكثيفة.
كما تعكس الصفقة استمرار Rheinmetall في تعزيز مكانتها كأحد أبرز اللاعبين العالميين في قطاع الدفاع الجوي الأرضي، حيث توسعت الشركة خلال الأعوام الأخيرة في تطوير منظومات مثل Skyranger 30 وSkyranger 35 وSkynex، بالتوازي مع الاستثمار في تقنيات الليزر والأسلحة الموجهة بالطاقة. ويؤكد نجاح الشركة في الحصول على عميل دولي جديد أن الطلب العالمي على حلول الدفاع الجوي الأوروبية يشهد نموًا ملحوظًا، خاصة مع تزايد الإنفاق العسكري في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية.
وتمثل هذه الصفقة مؤشرًا واضحًا على التحول في أولويات برامج التسليح، إذ أصبحت منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى من أسرع القطاعات نموًا في الصناعة الدفاعية. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاتجاه إلى تصاعد المنافسة بين الشركات الأوروبية والأمريكية والإسرائيلية والتركية لتطوير حلول أكثر تطورًا تعتمد على الدمج بين المدافع الذكية والصواريخ وأسلحة الليزر والذكاء الاصطناعي ضمن شبكات دفاع جوي متعددة الطبقات.
إن عقد Rheinmetall الجديد لتوريد أربع منظومات Skynex لا يمثل مجرد صفقة تصدير إضافية، بل يعكس تحولًا عالميًا في فلسفة الدفاع الجوي، يقوم على بناء طبقات حماية متكاملة قادرة على مواجهة التهديدات منخفضة الارتفاع بكفاءة تشغيلية واقتصادية في آن واحد. كما يؤكد استمرار تصاعد أهمية الأنظمة الشبكية الذكية التي تجمع بين الرادارات المتقدمة والمدفعية الدقيقة وإدارة المعركة الرقمية، وهو اتجاه سيشكل أحد أبرز ملامح سوق الدفاع الجوي العالمي خلال السنوات المقبلة.