أعلنت شركتا Thales الفرنسية وSystematic الدنماركية عن شراكة استراتيجية لتطوير قدرات الدفاع الجوي للقوات المسلحة الدنماركية، عبر دمج خبرات Systematic في برمجيات القيادة والسيطرة مع منظومات الدفاع الجوي التي تطورها Thales، في خطوة تستهدف بناء قدرة دفاع جوي أكثر تكاملًا وقابلية للتشغيل البيني مع قوات حلف شمال الأطلسي «الناتو». وجاء الإعلان في 19 أغسطس 2026 خلال فعاليات DALO Industry Days 2026 في مدينة هيرنينغ الدنماركية، ليعكس اتجاه كوبنهاغن إلى بناء شبكة دفاع جوي مترابطة بدل التعامل مع كل منظومة تسليح باعتبارها قدرة مستقلة.
وتكتسب الشراكة أهمية خاصة في ظل تركيز الدنمارك على تطوير منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على ربط أجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والسيطرة ووسائط الاعتراض ضمن بنية موحدة. ووفق الإعلان، ستجمع الشراكة بين برمجيات Systematic للقيادة والسيطرة وبين أنظمة الدفاع الجوي التي تمتلكها Thales، بما في ذلك SAMP/T NG، بهدف تحسين التكامل والتنسيق بين مختلف قدرات الدفاع الجوي الدنماركية. ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المعلنة، بتطوير صاروخ جديد أو منصة إطلاق جديدة، وإنما بمعالجة أحد أهم التحديات التي تواجه شبكات الدفاع الجوي الحديثة، وهو ضمان أن تعمل الأنظمة المختلفة باعتبارها منظومة قتالية واحدة.
ويأتي الإعلان بعد اختيار الدنمارك لمنظومة SAMP/T NG كعنصر بعيد المدى ضمن بنيتها الجديدة للدفاع الجوي الأرضي، وهو ما يمنح الشراكة بين Thales وSystematic أهمية إضافية. وتوضح وثائق Thales أن الدنمارك أصبحت أول نجاح تصديري لمنظومة SAMP/T NG بعد اختيارها من وزارة الدفاع الدنماركية في عام 2025، بينما ستوفر Thales ضمن المنظومة رادار Ground Fire ووحدات القيادة والسيطرة. وبالتالي فإن دمج هذه القدرات مع خبرات Systematic في مجال القيادة والسيطرة يمثل خطوة مكملة لمسار التسلح الدنماركي، وليس مشروعًا منفصلًا عن عملية بناء الدفاع الجوي الجديدة.
ويستهدف التعاون بصورة مباشرة متطلبات الدنمارك في مجال Air Command and Control (C2)، إلى جانب Surface-Based Air Missile Defence (SBAMD)، وهما مجالان أصبحا أكثر أهمية مع التحول في طبيعة التهديدات الجوية الحديثة. فالدفاع الجوي لم يعد يعتمد فقط على امتلاك رادار قادر على اكتشاف الهدف وصاروخ قادر على اعتراضه، وإنما أصبح يعتمد بدرجة متزايدة على سرعة انتقال البيانات بين المستشعرات ومراكز القيادة ووسائط الاشتباك، وعلى قدرة منظومات مختلفة من دول ومصنعين متنوعين على تبادل المعلومات والعمل وفق صورة عملياتية مشتركة. ومن هنا تأتي أهمية الدمج بين البنية البرمجية التي توفرها Systematic والقدرات الدفاعية التي توفرها Thales.
وتعد SitaWare، وهي حزمة C4ISR التشغيلية التي تطورها Systematic، أحد العناصر المهمة في القدرات البرمجية للشركة. وتقول Systematic إن SitaWare مستخدمة لدى أكثر من 50 دولة، بما في ذلك دول أعضاء في الناتو وFive Eyes، وتوفر قدرات القيادة والسيطرة من مراكز القيادة وصولًا إلى المستوى التكتيكي، مع التركيز على تبادل المعلومات والتشغيل البيني والوعي الظرفي متعدد المجالات. وتمنح هذه الخلفية الشركة موقعًا مهمًا في مشروع ربط قدرات الدفاع الجوي الدنماركية، خصوصًا إذا كان الهدف النهائي هو دمج أنظمة مختلفة ضمن بنية قيادة وسيطرة تستطيع العمل مع القوات الحليفة.
وتشير Systematic إلى أن الشراكة ستدعم Danish Acquisition and Logistics Organisation (DALO) في تحقيق قدرة دفاع جوي متكاملة، بما يسمح للدنمارك بالاستفادة من خبرات الشركتين مع تعزيز قدرتها على العمل إلى جانب قوات الناتو. وهذه النقطة تمثل جوهر المشروع من الناحية العسكرية، إذ إن قيمة منظومة الدفاع الجوي الحديثة لا تقاس فقط بمدى رادارها أو سرعة صاروخها، وإنما كذلك بقدرتها على استقبال البيانات من مصادر متعددة، وتحديد الأولويات، وتوزيع مهام الاشتباك، وتجنب الازدواجية بين أنظمة الاعتراض، ثم تمرير المعلومات في الوقت المناسب إلى الوحدات التي تحتاج إليها.
ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في البيئة الأمنية الأوروبية الحالية، حيث يتزايد التركيز على بناء دفاعات جوية قادرة على التعامل مع طيف واسع من التهديدات، بدءًا من الطائرات والمروحيات وصولًا إلى الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز والتهديدات الباليستية. كما أن الانتشار المتزايد للأنظمة غير المأهولة منخفضة التكلفة يفرض على الجيوش الأوروبية تطوير شبكات دفاع جوي لا تعتمد بصورة مفرطة على صواريخ اعتراض باهظة الثمن ضد أهداف منخفضة التكلفة. ولذلك فإن تحقيق التكامل بين الطبقات المختلفة للدفاع الجوي يصبح عاملًا أساسيًا لتحقيق الكفاءة العملياتية والاقتصادية في آن واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن SAMP/T NG يمثل عنصرًا بعيد المدى داخل بنية دفاع جوي أوسع، وليس حلًا منفردًا لجميع التهديدات الجوية. وتوضح Thales أن المنظومة مصممة لتوفير دفاع جوي بعيد المدى وقدرات كشف وتتبع متقدمة، وأنها قادرة على التعامل مع تهديدات تشمل الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز والتهديدات عالية السرعة. كما أن المنظومة تعتمد على قدرات Ground Fire والرادارات ووحدات القيادة والسيطرة، ما يجعل الربط بين هذه العناصر وبين منظومة قيادة وسيطرة أوسع أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق أقصى استفادة من قدراتها.
ولا تقتصر دلالة الشراكة على الجانب العملياتي، إذ تحمل أيضًا بعدًا صناعيًا واضحًا بالنسبة إلى الدنمارك. فقد أكدت Thales وSystematic أن التعاون يستهدف تعزيز القدرات الصناعية المحلية، وخلق قيمة طويلة الأمد داخل الاقتصاد الدنماركي، إضافة إلى فتح فرص تصدير مستقبلية. وهذا يعني أن كوبنهاغن لا تنظر إلى برنامج الدفاع الجوي باعتباره عملية شراء معدات فقط، وإنما كفرصة لتطوير قاعدة صناعية محلية تستطيع المشاركة في تشغيل الأنظمة وتطويرها وربما تسويق حلول مشتركة في أسواق أخرى.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى Systematic، لأن الشركة تستطيع من خلال الشراكة توسيع حضور برمجياتها من تطبيقات القيادة والسيطرة التقليدية إلى واحدة من أكثر المجالات حساسية في العمليات العسكرية الحديثة، وهي الدفاع الجوي والصاروخي. وفي المقابل، تحصل Thales على شريك صناعي محلي يتمتع بخبرة عميقة في البرمجيات العسكرية، ما يتيح لها تعزيز حضورها في السوق الدنماركية وتقديم حلول أكثر ارتباطًا بالبنية الوطنية للقيادة والسيطرة. ويعني ذلك أن العلاقة بين الشركتين يمكن أن تتجاوز تلبية الاحتياجات الدنماركية المباشرة إلى بناء نموذج صناعي يمكن تسويقه لدول أوروبية أخرى.
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن الدفاع الجوي يمثل أحد المجالات التي يصعب فيها تحقيق الفاعلية من خلال شراء أنظمة منفصلة. فحتى أكثر الرادارات تطورًا لن تحقق كامل قيمتها إذا لم تستطع مشاركة بياناتها مع مركز القيادة المناسب، وحتى أفضل صاروخ اعتراض قد يفقد جزءًا من فعاليته إذا كانت دورة اكتشاف الهدف وتحديده وتخصيص مهمة الاشتباك بطيئة. لذلك فإن البرمجيات وأنظمة القيادة والسيطرة أصبحت جزءًا لا يقل أهمية عن الرادارات والصواريخ نفسها، وهو ما يفسر اتجاه شركات الدفاع الكبرى إلى الاستثمار بصورة متزايدة في حلول التكامل الرقمي.