أعلنت شركة Saab السويدية للصناعات الدفاعية عن إطلاق الجيل الجديد من صاروخ الدفاع الجوي قصير المدى Bolide 2 المخصص لمنظومة RBS 70 NG، في خطوة تعكس التحول المتسارع داخل أسواق الدفاع الجوي العالمية نحو تطوير أنظمة أكثر قدرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية منخفضة البصمة الرادارية، والتي أصبحت تمثل التحدي الأبرز في ساحات القتال الحديثة.
ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه بيئات العمليات العسكرية تغيرًا جذريًا بفعل الانتشار الواسع للطائرات بدون طيار الانتحارية والاستطلاعية، إلى جانب تصاعد استخدام الذخائر الجوالة والصواريخ منخفضة الارتفاع في النزاعات الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. وهو ما دفع الشركات الدفاعية الكبرى إلى إعادة هندسة أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى لتتلاءم مع طبيعة الحرب الجوية الجديدة.
وبحسب التفاصيل التي كشفتها الشركة، فإن الصاروخ الجديد Bolide 2 يمثل تطويرًا شاملًا للصاروخ الأصلي Bolide المستخدم ضمن منظومة RBS 70 NG، مع تحسينات جوهرية في القوة التدميرية والأداء النهائي خلال مرحلة الاشتباك، إضافة إلى تصميم معياري يسمح بإدخال تحديثات مستقبلية بسرعة أكبر وفق تطور التهديدات الجوية.
وأكدت Saab أن الصاروخ الجديد يحتفظ بمنظومة التوجيه عبر أشعة الليزر Laser Beam-Riding Guidance المستخدمة في الأجيال السابقة من المنظومة، وهي تقنية تمنح النظام قدرة عالية على مقاومة التشويش الإلكتروني والحرب الإلكترونية مقارنة بالأنظمة المعتمدة على الباحثات الرادارية أو الحرارية التقليدية. كما يتيح هذا النمط من التوجيه الحفاظ على دقة الاشتباك ضد الأهداف السريعة والمناورة حتى في البيئات المشبعة بالتشويش الإلكتروني.
ورغم احتفاظ Bolide 2 بمدى الاشتباك الأساسي للصاروخ السابق والبالغ نحو 9 كيلومترات، مع سقف ارتفاع يصل إلى 5 كيلومترات، فإن التحسينات التقنية الجديدة ركزت بصورة أساسية على زيادة الفعالية ضد الطائرات الصغيرة والطائرات المسيّرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة أو متوسطة.
ويتضمن الصاروخ وحدة ملاحة بالقصور الذاتي Inertial Navigation Unit محسّنة، ما يرفع من كفاءة التتبع والاستقرار خلال الطيران، خصوصًا ضد الأهداف الصغيرة وعالية المناورة مثل طائرات الاستطلاع بدون طيار. كما كشفت الشركة أن النسخة الجديدة تتمتع بأداء أفضل في المرحلة النهائية قبل الإصابة، وهي المرحلة الحاسمة لرفع احتمالية التدمير المباشر للأهداف الجوية الصغيرة ذات المقطع الراداري المحدود.
ومن أبرز التحسينات التي ركزت عليها Saab في Bolide 2 زيادة القوة التدميرية للصاروخ دون رفع وزنه الإجمالي، حيث أكدت تقارير دفاعية أن الرأس الحربي الجديد يحتوي على كتلة متفجرة أكبر بنسبة 50% مقارنة بالجيل السابق، إضافة إلى زيادة كثافة الشظايا بنسبة 40%، ما يؤدي إلى نمط إصابة أكثر تركيزًا وفعالية ضد الطائرات المسيّرة الصغيرة والأهداف الجوية الحساسة.
كما جرى تعزيز قدرات صمام التقارب عبر إضافة عدد أكبر من الحساسات الليزرية، الأمر الذي يرفع من احتمالية اكتشاف الهدف وتفجير الرأس الحربي في التوقيت الأمثل أثناء الاقتراب من الهدف الجوي. وتُعد هذه الميزة بالغة الأهمية في مواجهة الطائرات بدون طيار الصغيرة التي يصعب أحيانًا تحقيق إصابة مباشرة لها بسبب حجمها المحدود وقدرتها على المناورة.
وفي إطار تحسين قدرات الاختراق، استبدلت Saab الشحنة المشكلة المصنوعة من النحاس المستخدمة في النسخة السابقة بشحنة ألمنيوم محسنة، ما يوفر قدرة أكبر على اختراق الهياكل الجوية الحديثة وتحقيق تأثير تدميري أعلى بعد الإصابة.
وصرّح Stefan Öberg، رئيس وحدة أنظمة الصواريخ في Saab، بأن Bolide 2 صُمم ليكون “جاهزًا للتكيف مع أي تهديدات جديدة في السماء”، مشيرًا إلى أن مستخدمي منظومة RBS 70 سيتمكنون من الاستفادة من الرأس الحربي الأقوى سواء عند تشغيل النظام في النسخة المحمولة فرديًا أو ضمن المنصات المركبة على العربات القتالية.
ووفقًا للجدول الزمني المعلن، بدأت أعمال تطوير Bolide 2 قبل نحو أربع سنوات ونصف، وتم تنفيذ سلسلة من اختبارات التطوير والتقييم العملياتي خلال تلك الفترة، على أن تبدأ عمليات التسليم الفعلية للعملاء اعتبارًا من عام 2027. كما سيصبح الصاروخ الجديد الذخيرة القياسية لمنظومة RBS 70 NG مع الحفاظ على التوافق الكامل مع النسخ الأقدم من النظام.
وتُعد منظومة RBS 70 واحدة من أشهر أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى في أوروبا، وتستخدمها أكثر من 20 دولة حول العالم، بينها عدد من أعضاء حلف الناتو. وتمتاز المنظومة بقدرتها على العمل في البيئات القتالية المختلفة، سواء في المناطق الصحراوية أو القطبية أو الساحلية، كما يمكن دمجها على منصات ثابتة أو مركبات قتالية أو وحدات بحرية.
وتأتي الخطوة السويدية في سياق سباق عالمي متصاعد لتطوير أنظمة SHORAD وVSHORAD القادرة على التصدي للتهديدات الجوية غير التقليدية، خاصة بعد الدروس المستخلصة من الحرب الروسية الأوكرانية، حيث أثبتت الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة قدرتها على إنهاك أنظمة الدفاع الجوي التقليدية الأكثر كلفة وتعقيدًا.
وقد أدى هذا التحول إلى زيادة ضخمة في الطلب العالمي على الأنظمة القصيرة والمتوسطة المدى ذات الكفاءة العالية ضد الدرونات، وهو ما يفسر التوسع السريع في استثمارات شركات مثل Saab وRheinmetall وMBDA وDiehl Defence في هذا القطاع الحيوي.
ويُنظر إلى Bolide 2 باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تتبعها Saab لتعزيز حضورها في سوق الدفاع الجوي العالمي، خاصة مع ارتفاع الطلب الأوروبي على الأنظمة الدفاعية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. وكانت دول مثل ليتوانيا قد وقعت بالفعل عقودًا ضخمة للحصول على صواريخ Bolide ومنظومات RBS 70 NG ضمن برامج تعزيز الدفاعات الجوية لدول البلطيق.
كما أن المنظومة تستفيد من سمعة قوية داخل الأسواق الدولية بسبب اعتمادها على التوجيه الليزري المقاوم للتشويش، وهي ميزة أصبحت ذات أهمية متزايدة مع تطور قدرات الحرب الإلكترونية الروسية والصينية، وتنامي استخدام أنظمة التشويش المحمولة جوًا وأرضًا في النزاعات الحديثة.
ومن الناحية الصناعية، يعكس إطلاق Bolide 2 استمرار التحول الأوروبي نحو بناء قاعدة إنتاج دفاعية مستقلة وأكثر مرونة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، خاصة في قطاع الدفاع الجوي الذي أصبح يمثل أولوية استراتيجية بعد تراجع المخزونات الأوروبية نتيجة الدعم العسكري الواسع لأوكرانيا.
كما يُظهر التطوير الجديد أن Saab تسعى لترسيخ موقعها كمنافس رئيسي في سوق الأنظمة الدفاعية قصيرة المدى، خصوصًا مع تزايد المنافسة من أنظمة مثل IRIS-T SLM الألماني وNASAMS النرويجي الأمريكي، إلى جانب الأنظمة الإسرائيلية والتركية التي حققت انتشارًا واسعًا خلال السنوات الأخيرة.
وفي المحصلة، فإن إطلاق Bolide 2 لا يمثل مجرد تحديث تقني لصاروخ دفاع جوي قصير المدى، بل يعكس تحولًا أوسع في فلسفة الدفاع الجوي الحديثة، حيث باتت القدرة على مواجهة الطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية منخفضة التكلفة تمثل عنصرًا حاسمًا في معادلات الردع والسيطرة الجوية، وهو ما يدفع الشركات والدول إلى الاستثمار المكثف في جيل جديد من أنظمة SHORAD الذكية والمرنة والقادرة على العمل ضمن بيئات قتالية مشبعة بالحرب الإلكترونية والتهديدات غير التقليدية.