أخبار: البرازيل تتجه لشراء 20 مقاتلة Gripen إضافية من Saab

في تطور جديد يعكس عمق الشراكة الدفاعية بين البرازيل والسويد، أعلنت السلطات السويدية أن البرازيل أبدت اهتماماً رسمياً بالحصول على 20 مقاتلة إضافية من طراز Gripen E/F التي تنتجها شركة Saab، وذلك بالإضافة إلى الأسطول الحالي المتعاقد عليه والبالغ 36 مقاتلة. وإذا تحولت هذه المباحثات إلى عقد رسمي، فإن حجم أسطول F-39 Gripen البرازيلي سيرتفع إلى 56 مقاتلة، ما سيجعل البرنامج أحد أكبر مشاريع المقاتلات الحديثة في العالم خارج الدول الكبرى المنتجة للطائرات الحربية.

وجاء الإعلان خلال زيارة وزير الدفاع البرازيلي إلى السويد، حيث عقد مباحثات مع نظيره السويدي، وشهد الجانبان توقيع إعلان نوايا يهدف إلى تعميق التعاون الدفاعي والصناعي بين البلدين. وأكد الوزير السويدي أن الطائرات الإضافية، في حال إقرار الصفقة، سيتم إنتاجها داخل البرازيل في إطار الشراكة الصناعية القائمة بين Saab وEmbraer، وهو ما يعزز البعد الصناعي والتكنولوجي للبرنامج إلى جانب أبعاده العسكرية.

وتعود جذور التعاون بين البلدين إلى عام 2014 عندما وقعت البرازيل عقداً تاريخياً مع Saab للحصول على 36 مقاتلة من عائلة Gripen NG، تتضمن 28 مقاتلة أحادية المقعد من طراز Gripen E وثماني مقاتلات ثنائية المقعد من طراز Gripen F، إلى جانب حزمة واسعة من نقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي طويل الأمد. وقد بلغت قيمة العقد الأصلي نحو 39.3 مليار كرونة سويدية، وشكل آنذاك أحد أكبر العقود الدفاعية في تاريخ أمريكا اللاتينية.

ومنذ ذلك الحين تطور البرنامج بصورة ملحوظة، حيث بدأت عمليات التسليم الفعلية عام 2020، بينما كشفت البرازيل خلال مارس 2026 عن أول مقاتلة Gripen E يتم إنتاجها وتجميعها محلياً داخل منشآت Embraer في مدينة Gavião Peixoto، لتصبح أول دولة في أمريكا اللاتينية تنجح في إنتاج مقاتلة أسرع من الصوت على أراضيها. كما يمثل ذلك أول مرة في تاريخ شركة Saab الممتد منذ عام 1937 يتم فيها إنتاج مقاتلاتها خارج السويد.

وتأتي المباحثات الجديدة بعد أيام فقط من الكشف الرسمي عن أول مقاتلة Gripen F ثنائية المقعد التي جرى تطويرها بالتعاون المباشر بين Saab والصناعة الجوية البرازيلية. وتمثل هذه النسخة أهمية خاصة لأنها تمنح القوات الجوية البرازيلية منصة تدريب متقدمة وقدرات تشغيلية إضافية في المهام المعقدة طويلة المدى، كما تعزز فرص تصدير الطائرة إلى أسواق أخرى مستقبلاً.

ومن الناحية العسكرية، تعكس الرغبة البرازيلية في زيادة عدد المقاتلات مراجعة استراتيجية شاملة لمتطلبات القوة الجوية خلال العقود المقبلة. فالقوات الجوية البرازيلية ما زالت تشغل أعداداً من مقاتلات F-5EM Tiger II التي خضعت لتحديثات واسعة خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الطائرات تقترب تدريجياً من نهاية عمرها التشغيلي. كما أن حجم الأراضي البرازيلية الشاسعة، التي تتجاوز 8.5 ملايين كيلومتر مربع، يفرض متطلبات كبيرة على منظومة الدفاع الجوي الوطني ويستلزم امتلاك عدد أكبر من الطائرات الحديثة القادرة على الانتشار السريع والعمل لمسافات طويلة.

وتتمتع مقاتلات Gripen E/F بمجموعة من المزايا التي جعلتها خياراً جذاباً للبرازيل منذ البداية. فالطائرة تجمع بين تكاليف تشغيل منخفضة نسبياً مقارنة بالمقاتلات الغربية المنافسة، وقدرات متقدمة في الحرب الشبكية، ورادار AESA حديث، ومنظومات حرب إلكترونية متطورة، إضافة إلى قدرة كبيرة على دمج أنواع مختلفة من الذخائر والصواريخ الغربية. كما أن تصميمها يتيح سهولة الصيانة والعمل من قواعد جوية ذات بنية تحتية محدودة نسبياً، وهي ميزة مهمة لدولة بحجم البرازيل.

لكن أهمية الصفقة المحتملة لا تتوقف عند الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى البعد الصناعي والاستراتيجي. فمنذ توقيع العقد الأول، حرصت البرازيل على استغلال برنامج Gripen كأداة لبناء قاعدة صناعية جوية متقدمة وليس مجرد مشروع شراء مقاتلات. وقد حصل مئات المهندسين والفنيين البرازيليين على تدريب مباشر داخل السويد، بينما أصبحت منشآت الإنتاج المحلية جزءاً من شبكة التصنيع العالمية الخاصة بشركة Saab. واليوم تسعى الشركة السويدية إلى تحويل البرازيل إلى مركز إقليمي لتصنيع ودعم وتصدير مقاتلات Gripen في أمريكا اللاتينية، وهو هدف أصبح أكثر واقعية بعد نجاحها في الفوز بعقد تزويد كولومبيا بـ17 مقاتلة Gripen E/F خلال عام 2025.

كما أن الصفقة الجديدة المحتملة تحمل دلالات مهمة بالنسبة لشركة Saab نفسها. فالشركة تشهد نمواً غير مسبوق نتيجة الارتفاع العالمي في الإنفاق العسكري، وقد رفعت بالفعل أهدافها الخاصة بنمو المبيعات خلال السنوات المقبلة مستفيدة من الطلب المتزايد على منتجاتها الدفاعية. وتمثل البرازيل أكبر وأهم مشروع تصديري لبرنامج Gripen، وبالتالي فإن أي طلب إضافي سيعزز مكانة الطائرة في الأسواق الدولية ويدعم فرصها في المنافسات الجارية في عدد من الدول الأخرى.

ومن زاوية جيوسياسية أوسع، تعكس الخطوة البرازيلية توجهاً متزايداً لدى العديد من الدول نحو تنويع مصادر التسليح والاعتماد على الشراكات الصناعية طويلة الأجل بدلاً من الاقتصار على شراء المعدات الجاهزة. كما تؤكد أن برامج نقل التكنولوجيا أصبحت عاملاً حاسماً في المنافسة العالمية على عقود الطائرات المقاتلة، حيث لم يعد الأداء القتالي وحده كافياً لحسم المنافسة، بل أصبحت القيمة الصناعية والاقتصادية للصفقة جزءاً أساسياً من عملية اتخاذ القرار.

وفي حال إتمام الصفقة، فإن البرازيل لن تحصل فقط على 20 مقاتلة إضافية، بل ستعزز مكانتها كأكبر مشغل لطائرات Gripen خارج أوروبا، وستقترب من تحقيق هدف استراتيجي يتمثل في امتلاك قوة جوية حديثة مدعومة بقاعدة صناعية وطنية قادرة على الإنتاج والتطوير والصيانة محلياً. كما ستمنح هذه الخطوة شركة Saab دفعة قوية في سوق المقاتلات العالمية، وتؤكد نجاح نموذج الشراكة الصناعية الذي أصبح أحد أبرز أدوات المنافسة في صناعة الطيران العسكري خلال القرن الحادي والعشرين.