أخبار: البرازيل تستعرض أول مقاتلة Gripen E منتجة محلياً

لم يكن مشروع المقاتلة Gripen E (المعروفة محلياً باسم F-39E Gripen) مجرد صفقة شراء طائرات عادية، بل كان أكبر برنامج لنقل التكنولوجيا في تاريخ البرازيل. فمنذ توقيع العقد الأول بقيمة تقارب 4.5 مليار دولار لتوريد 36 مقاتلة، كان الهدف الاستراتيجي هو توطين المعرفة. ويعد تدشين أول طائرة مجمعة في منشأة Gavião Peixoto التابعة لشركة Embraer في ولاية ساو باولو، تجسيداً لنجاح مهندسي Saab و Embraer في نقل خطوط الإنتاج المعقدة من السويد إلى قلب البرازيل.

تتميز النسخة البرازيلية من Gripen E بمواصفات "مخصصة" تلبي احتياجات القوات الجوية البرازيلية، حيث تم دمج شاشات العرض الكبيرة المتطورة (WAD) التي تنتجها شركة AEL Sistemas البرازيلية، وهي تقنية تفوقت بها النسخة البرازيلية حتى على النسخ السويدية الأولى. إن اكتمال تجميع هذه الطائرة محلياً يعني أن البرازيل باتت تمتلك السلسلة اللوجستية والتقنية الكاملة لدعم هذه المقاتلة لعقود قادمة، دون الاعتماد الكلي على المورد الخارجي.

تعد المقاتلة Gripen E واحدة من أكثر الطائرات كفاءة في العالم من حيث التكلفة والقدرة القتالية. فهي تدمج بين خفة الحركة والذكاء الاصطناعي في إدارة المعارك. ومن أبرز مواصفاتها الفنية التي ستحدث فارقاً في ميزان القوى:

- رادار Raven ES-05 AESA: رادار المسح الإلكتروني النشط الذي يمنح الطيار زاوية رؤية واسعة وقدرة على تتبع أهداف متعددة في آن واحد بمدى استثنائي.

- نظام البحث والتتبع بالأشعة تحت الحمراء (IRST): من طراز Skyward-G، الذي يسمح للمقاتلة برصد الطائرات المعادية (بما فيها الشبحية) دون إصدار أي موجات رادارية تكشف موقعها.

- الحرب الإلكترونية الشاملة: تمتلك المقاتلة نظاماً متكاملاً للدفاع الذاتي يحيطها بـ "فقرة حماية" إلكترونية تضلل الصواريخ الموجهة والرادارات المعادية.

- هيكلية البرمجيات المفتوحة: وهي الميزة الأهم، حيث تتيح لشركة Embraer تحديث برامج الطائرة القتالية بشكل مستقل وسريع، مما يجعلها منصة دائمة التطور أمام التهديدات المستجدة.

استراتيجياً، يعيد الإعلان عن أول مقاتلة Gripen E مجمعة محلياً تعريف الدور الجيوسياسي للبرازيل. فالبرازيل لا تسعى فقط لحماية أجوائها، بل لتأكيد قيادتها الإقليمية وحماية ثروات "الأمازون الأزرق" (المنطقة الاقتصادية الخالصة في المحيط الأطلسي). وجود طائرة بمدى عملياتي طويل وقدرة على حمل صواريخ بعيدة المدى مثل Meteor وصواريخ جو-أرض متطورة، يجعل من القوات الجوية البرازيلية القوة الأكثر رعباً وتطوراً في القارة.

دلالة الحدث في محيطه تكمن في "الاستقلال الاستراتيجي"؛ ففي حال حدوث توترات دولية أو فرض قيود على توريد السلاح، تمتلك البرازيل الآن القدرة الذاتية على استكمال إنتاج وصيانة أسطولها. كما أن هذا النجاح يفتح الباب أمام البرازيل لتصبح "مركزاً إقليمياً" لصيانة وربما تصدير مقاتلات Gripen لدول أخرى في أمريكا اللاتينية أو حتى أفريقيا، مما يحول الدفاع من عبء مالي إلى محرك اقتصادي.

يُحدث اكتمال إنتاج أول مقاتلة Gripen E في البرازيل عام 2026 تأثيراً قوياً في سوق الدفاع العالمي يتلخص في الآتي:

- تعزيز نموذج "نقل التكنولوجيا" (ToT): أثبتت Saab و Embraer أن نقل تكنولوجيا مقاتلات الجيل الرابع المتقدمة إلى دول ناشئة هو أمر ممكن وناجح. هذا سيضغط على شركات مثل Lockheed Martin و Dassault Aviation لتقديم عروض "توطين" مماثلة في المناقصات العالمية القادمة (مثل مناقصة الهند أو كولومبيا).

- بروز Embraer كمنافس في الطيران الحربي: بعد سيطرتها على سوق الطائرات الإقليمية وطائرة النقل العسكري C-390 Millennium، تدخل Embraer الآن بقوة في نادي "مصنعي المقاتلات النفاثة"، مما يرفع من قيمتها السوقية ويجعلها شريكاً مفضلاً في مشاريع طائرات الجيل السادس المستقبلية.

- تغيير قواعد اللعبة في "فاعلية التكلفة": إن نجاح البرازيل في تشغيل الـ Gripen E بتكاليف ساعة طيران منخفضة مقارنة بالمقاتلات الثقيلة مثل F-15 أو Rafale، سيوجه أنظار الدول ذات الميزانيات الدفاعية المتوسطة نحو هذا الخيار، مما قد يسحب البساط من تحت أقدام الطائرات الأمريكية والأوروبية الأغلى ثمناً.

- خلق قطب دفاعي جنوبي: هذا التعاون يكسر احتكار الشمال (أوروبا وأمريكا) لصناعة المقاتلات المتقدمة، ويمهد الطريق لتحالفات دفاعية "جنوب-جنوب" قد تشهد تعاوناً بين البرازيل وتركيا أو كوريا الجنوبية في مشاريع دفاعية مستقبلية.