في إطار سعيها الحثيث لتحديث قدراتها الجوية ومواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة جنوب شرق آسيا، أكدت شركة Embraer البرازيلية، خلال فعاليات معرض سنغافورة للطيران المنعقد في فبراير 2026، تلقيها طلباً مؤكداً من القوات الجوية الفلبينية (PAF) لشراء 6 طائرات إضافية من طراز A-29 Super Tucano الهجومية الخفيفة. وتأتي هذه الصفقة لترفع عدد طائرات هذا الطراز في الخدمة لدى مانيلا إلى 12 طائرة، مما يعزز من قدرة الفلبين على تنفيذ مهام الدعم الجوي القريب ومكافحة التمرد وحماية حدودها البحرية الواسعة.
تعد طائرة A-29 Super Tucano، التي تنتجها شركة Embraer Defense & Security، منصة "ثلاثية المهام" (3-in-1) فريدة من نوعها، حيث تدمج بين الهجوم الخفيف، والاستطلاع المسلح، والتدريب المتقدم. وقد أثبتت هذه الطائرة كفاءتها عالمياً بأكثر من 600,000 ساعة طيران، منها 60,000 ساعة في ظروف قتالية حقيقية. وتتميز الطائرة بمحرك توربيني قوي يتيح لها العمل من مدارج غير ممهدة وفي بيئات قاسية، وهو ما يتناسب تماماً مع الطبيعة الجغرافية للفلبين المكونة من آلاف الجزر.
تتضمن النسخة التي حصلت عليها الفلبين حزمة إلكترونيات طيران متطورة (Avionics)، وأنظمة استشعار كهرو-بصرية وتحت حمراء (EO/IR) قادرة على تحديد الأهداف بدقة في مختلف الظروف الجوية. كما تم تجهيز الطائرة بقدرات تسليحية متنوعة تشمل رشاشات مثبتة في الأجنحة عيار .50، وقذائف صاروخية عيار 70 ملم، وقنابل موجهة بالليزر، بالإضافة إلى قدرات دفاع جوي قصيرة المدى باستخدام صواريخ AIM-9L Sidewinder. وقد صرح Bosco da Costa Junior، الرئيس التنفيذي لشركة Embraer، بأن هذا الطلب الجديد يعكس الثقة الكبيرة التي توليها القوات الجوية الفلبينية لهذه المنصة التي أثبتت فاعليتها منذ تسلم الدفعة الأولى المكونة من 6 طائرات في عام 2020.
تكتسب هذه الصفقة أهمية استراتيجية كبرى بالنظر إلى التطورات الجيوسياسية في بحر الصين الجنوبي. فالفلبين، وتحت إدارة الرئيس Marcos Jr، بدأت في تطبيق مفهوم استراتيجي جديد يُعرف باسم "Comprehensive Archipelagic Defense Concept" (CADC). يهدف هذا المفهوم إلى تحويل العقيدة العسكرية من مكافحة التمرد الداخلي إلى الدفاع الإقليمي الخارجي وحماية المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ).
استراتيجياً، تلعب A-29 Super Tucano دور "الجسر" التكنولوجي والعملياتي. فهي توفر حلاً منخفض التكلفة وعالي الكفاءة للقيام بدوريات بحرية مستمرة ومراقبة التحركات المشبوهة في المياه المتنازع عليها، دون الحاجة لاستنزاف ساعات طيران الطائرات المقاتلة النفاثة الأكثر كلفة مثل FA-50PH. كما أن قدرتها على الطيران المستمر (High Endurance) تجعلها مثالية لمراقبة الجزر المرجانية والمناطق الحدودية النائية.
علاوة على ذلك، فإن تعزيز الأسطول بـ 6 طائرات إضافية يسمح للقوات الجوية الفلبينية بتوزيع طائراتها على قواعد جوية متعددة ومبعثرة (Dispersed Basing)، وهي استراتيجية تهدف إلى زيادة القدرة على البقاء في مواجهة أي ضربة استباقية محتملة. إن هذا التوجه يعزز من "الردع غير المتكافئ" (Asymmetric Deterrence)، حيث يمكن لهذه الطائرات الصغيرة والفعالة أن تشكل تهديداً جدياً لقطع البحرية والزوارق السريعة، مع صعوبة رصدها واستهدافها مقارنة بالطائرات الكبيرة.
على الصعيد العالمي، تؤكد هذه الصفقة ريادة شركة Embraer في قطاع الطائرات الهجومية الخفيفة ذات المحرك التوربيني. في وقت تتجه فيه معظم القوات الجوية الكبرى نحو مقاتلات الجيل الخامس والسادس باهظة الثمن، يبرز سوق متنامٍ للطائرات "الميسورة التكلفة" (Affordable Precision Strike) التي تلبي احتياجات الدول ذات الميزانيات الدفاعية المتوسطة أو تلك التي تخوض نزاعات منخفضة الكثافة.
دخول A-29 Super Tucano إلى الخدمة لدى أكثر من 22 قوة جوية حول العالم، بما في ذلك دول في حلف الناتو مثل البرتغال (عبر نسخة A-29N)، يشير إلى تحول في تفكير المخططين العسكريين. فالتكاليف التشغيلية المنخفضة لهذه الطائرة، والتي تبلغ جزءاً بسيطاً من تكلفة تشغيل طائرات مثل F-16، تجعلها الخيار الأمثل لمهام "صيد الطائرات المسيرة" (Drone Hunting) والعمليات الحدودية.
إن قرار الفلبين بمضاعفة أسطولها من Super Tucano يبعث برسالة قوية لمنافسيها الإقليميين وللمصنعين العالميين على حد سواء، السيادة الوطنية لا تعتمد فقط على امتلاك التكنولوجيا الأكثر تعقيداً، بل على امتلاك الأدوات المناسبة التي تجمع بين الكفاءة القتالية والاستدامة الاقتصادية. هذه الصفقة تعيد التأكيد على أن الصناعات الدفاعية البرازيلية باتت رقماً صعباً في معادلة التوازن العسكري الآسيوي.